فهرس الكتاب

الصفحة 16379 من 27345

أ.د/محمد أديب الصالح

رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام

شيء وراء المعرفة تميز به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يكونوا يتلقون عنه صلى الله عليه وسلم المعلومات وكفى ، كانت هناك تزكية النفس ، وحملها إلى حيث خشية الله ، والوقوف عند حدوده ، ومراقبته في السر والعلن عملًا بتلك القاعدة النورانية: من الحديث الصحيح في بيان الإحسان:"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

يعظهم الرسول صلى الله عليه وسلم فتذرف لموعظته العيون ، وتَجِلُ لها القلوب ، وتفيض آثارها على جوارحهم وسلوكهم ، فتراهم يمشون على الأرض بطهر الملائكة ، ويتصلون بالسماء بممارساتهم اليومية لشؤون الحياة لأنها كلها لله وفي سبيل الله .

وحين أضاءت الحياة بلمساتهم .. وأشرقت بنظراتهم .. وتحول جدب الأرض التي فتحوها إلى ربيع يزهر ويثمر.. حين حصل ذلك كله يوم انساحوا في دنيا الناس فاتحين معلمين ، لم يكن ذلك بالمعرفة فقط ، ولكن كان بالمعرفة وشيء وراءها ، فكان الصدق في المواطن ومراقبة الله في السر والعلن ، وملاحظة أن ما كان لله فهو المقبول ... وما كان لغيره فهو المردود ، وأن لكل درجات مما عملوا أحصاه الله ونسوه .. لقد تحركوا ونور الخشية يضيء لهم الطريق .. وعلموا الناس وكان مع التعليم ندى اليقين باليوم الآخر وأن الكل معروض عليه سبحانه .. وحملوا إلى الناس معالم الخير... وكل واحد منهم بإيمانه وسلوكه صورة حية عن هذا الذي يدعو إليه ويعلمه الناس .

مرضاة الله .. الصراط .. الميزان .. وعذاب القبر.. والمسؤولية [وقفوهم إنهم مسؤولون ..] (1) [قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها] (2) ، كل أولئك لم يكن في حياتهم دروسًا تلقى على الناس من أجل غرض من أغراض الدنيا .. ولكن كان اليد الحانية التي فجرت ينابيع الفطرة في الناس .. وكشفت عن معادن الخير فيهم .. لأن كل رائد منهم كان الدعوة العلمية .. لما يعلم الآخرين من مبادئ وأحكام .. حتى قالت عائشة: كان عمر قرآنًا ناطقًا . ففي الكلمة التي ينطقون بها حياتها .. وفي الدعوة التي يدعون .. وجودها .. ولعل هذا من بعض أسرار ما كان من الانسياح السريع لأنهم لم يعظوا الناس كلمات جامدات لا حياة فيها ، ولكن قدموا لهم الحياة بالكلمات التي قدموها لما كان من الصورة الواقعية للإسلام سلوكًا وحبًا لله ولرسوله ،وصدق وجهة في الحركة أيًا كانت منزلة الواحد منهم ، وكائنة ما كانت وظيفته.

ولقد كان مما منَّ الله به على هذه الأمة أن جعل حملة رسالة نبيها إليها من هذا الطراز. فهم أولًا نقلة الرسالة إلى الناس عن نبيهم عليه الصلاة والسلام ، والصورة العملية لها .. وهم ثانيًا قريبو عهد بالجاهلية مما يكشف عن هذا الذي صنعه الإسلام حين أشرقت على بطحاء مكة رسالة السماء .. وإذا رأيت الذي كانت تصنعه ، آي الكتاب فيهم ، وموعظة الرسول عليه الصلاة والسلام رأيت أي معجزة قامت على الأرض وأيقظت حركة التاريخ ، وكشفت عن أهليه الإنسان للسمو حين تلامس قلبه هداية الإسلام"الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (3) فقهوا على إطلاقها دون تحديد بمصطلحات جاءت فيما بعد .

أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال:"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ، فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين"وفي رواية: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء فخطب فقال:"عرضت علي الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ، فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه ، غطوا رؤوسهم ولهم خنين".

تلك هي الصياغة .. نفوس امتدت إليها يد محمد صلى الله عليه وسلم الصناع تذكيرًا بالآخرة ، ودفعًا حازمًا إلى ميادين الجد .. وإيقاظًا لعزائم الرجال المنوط بهم حمل تلك الرسالة المحمدية .. أن يكونوا على مستوى المسؤولية تجاوزًا للمحقرات ... وارتفاعًا فوق التوافه والركام .. وقدرة على مجاهدة النفوس أن تتقاعس عن المعالي وجهاد العدو... ولسوف تبقى تلك النماذج برهان الأرض لأهل الأرض على امتداد الزمن ..

إن الإسلام رسالة الحياة للإنسان .. وحجة علينا نحن الذين نزعم واهمين ـ في جو من الانهزام الداخلي وطلب العافية ـ أن الإسلام تجريد لا يقوى على حمله الإنسان .. إن شيئًا وراء المعرفة كما أسلفنا نلمسه في هؤلاء الرواد الذين تلقوا عن رسول الله .. وقبلوا عن رسول الله .. إنه الندى الذي يعطي المعرفة حياتها ووجودها ..

ويجعل من الإنسان جنديًا قادرًا على حمل العبء وأداء الرسالة .. مهما غلا الثمن على طريق أوله الاستجابة لدعوة الحياة .. وآخره الشهادة في سبيل الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت