أما إنه ليس بدعًا بعد ذلك أن نرى في أعمالهم ، وتربيتهم ، وسلوكهم ما هو صورة صادقة لميراث النبوة ... والزرع الذي أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه .. والحجة بهم قائمة إلى يوم الدين . بما كان من حرصهم على الصياغة نفسها التي كانت ذروة منهجه عليه الصلاة والسلام .
أخرج البيهقي وابن عساكر عن جعفر بن الزبرقان قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله فكان في آخر كتابه أن: حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة ، فإن من حاسب نفسه في الرخاء حساب الشدة ، عاد مرجعه إلى الرضاء والغبطة ، ومن ألهته حياته وشغلته سيئاته ، عاد مرجعه إلى الندامة والحسرة ، فتذكر ما توعظ به كي تنتهي عما تنهى عنه .
وعلى هذا الطريق من الفقه الحقيقي لهذا الدين الذي أكمل الله به نعمته على الناس ، روي عن علي رضي الله عنه فيما أخرجه أبو نعيم قال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ، ولكن الخير أن يكثر عملك ويعظم حلمك . وأن تباهي الناس بعبادة ربك ، فإن أحسنت حمدت الله ، وإن أسأت استغفرت الله ، لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل أذنب ذنبًا فهو متدارك ذلك بتوبته ، أو رجل يسارع في الخيرات .. ولا يقل عمل في تقوى .. وكيف يقل ما يتقبل !!
حتى في ساحة الجهاد .. وبين الصفين .. حيث يبتسم المؤمن للموت .. ويتطلع إلى الشهادة .. ويعيش لحظات هي إلى الآخرة أقرب منها إلى الدنيا ... لا ينسى قائد كأبي عبيدة أن يذكر المقاتلين في سبيل الله ما يمكن أن يعتبر من الأوليات والأبجديات ... ذلك لأنه يرى من النصح لهم وهم على عتبة أن يغادروا هذه الحياة .. أنهم قادمون على ربهم حيث توزن الحسنات والسيئات .. وأن إكرام النفس بحملها على ما يقربها من الله .. وأن إهانتها فيما يكون غير ذلك ..
أخرج أبو نعيم أن أبا عبيدة رضي الله عنه كان يسير في العسكر فيقول: ألا رب مبيض ثيابه مدنس لدينه ، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ادرؤوا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات ، فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين السماء ثم عمل حسنة لعلت فوق سيئاته .
وانظر إلى هذه الكلمات الجوامع من عبد الله بن مسعود التي يقرأ في ثناياها ما يشعرك بأنها من إرث النبوة . قال رضي الله عنه: ما منكم إلا ضيف ، وماله عارية ، والضيف والعارية مؤداه إلى أهلها . وقال لرجل سأله أن يعلمه كلمات جوامع نوافع: اعبد الله ولا تشرك به شيئًا ، وزل مع القرآن حيث زال ، ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيدًا بغيضًا ، ومن جاءك بالباطل فاردد عليه وإن كان حبيبًا قريبًا .
وجاء في بعض كلامه رضي الله عنه: وأيم الله لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم لكنتم أهون على الله من الجعلان .
أولئك هم الربانيون الذين كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم . تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانا.. لقد كانوا في متقلبهم ومثواهم على طريق مرضاة الله .. يحبهم ويحبونه .. ويوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه .. ذلك لمن خشي ربه .
الهوامش:
•"حضارة الإسلام"السنة الخامسة عشرة العدد التاسع ذو القعدة / 1394 كانون الأول 1974 .
(1) سورة الصافات 24 .
(2) سورة الشمس 9 ـ 10 .
(3) من حديث طويل رواه البخاري في كتاب الأنبياء من الجامع الصحيح ."فتح الباري مع الجامع الصحيح" (6/414 ، 417) ومسلم في كتاب الفضائل من الصحيح باب"من فضائل يوسف عليه السلام" (4/1846) .