فهرس الكتاب

الصفحة 26172 من 27345

معالجة الإسلام للقضايا العامة

الحلقة (24) - الجمعة 28 جمادى الثانية 1396هـ - 25 حزيران 1976

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

بسم الله الرحمن الرحيم

فإنه ليسعدني أن أعود لألتقي بكم مرة أخرى وأرجو هذه المرة أن يطول اللقاء بعض الشيء أرجو أن يعين الله تعالى على الفراغ من دراسة بواكير الدعوة وأن يعين على دفع هذه الدراسة مراحل أخرى إلى الأمام، ولقد كان لازماً أن نصل ما انقطع وأن نأخذ بالحديث من حيث انتهينا، ولكني أحببت اليوم أن أركز على بعض الأفكار وأن أعيد النظر ببعض جوانب المنهج الذي اعتمدناه في هذه الدراسة، ولي من ذلك غرض.

منذ زمن كنت أتحدث إلى بعض الإخوة عن أماني كنت أقول إذا تيسر لي بمعونة الله أن أكتب عن القرآن دراسة ميدانية تثير مسائله كلها وتعرض قضاياه وإذا تيسر لي أن أكتب يوماً ما في السيرة النبوية دراسة حركية وإذا تيسر لي بعد ذلك أن أحدد بالضبط مناهج الحركة الإسلامية فسوف أموت حين أموت وأنا قرير العين رضيُّ النفس.

ولقد يبدو أنه لن يتيسر لنا من ذلك شيء فنحن لا نملك أنفسنا، وقد ينبغي أن نقول إننا لا نملك أوقاتنا وإن هذه الحياة التي نحياها بما فيها من عواصف ورعود وبروق تحطم الأعصاب وتسحق الإنسان سحقاً، وإن العمل الذي في الذهن ليس عمل أفراد وإنما هو عمل جماعات؛ وما زلنا كما قلت في يوم غير هذا في الشرق عموماً لا نعرف للعمل الجماعي قيمته الحقة، وهذه بلاد الدنيا المتقدمة الراقية التي تقدر العمل الجماعي وتقدر قيمة عمل الفريق بدأت منذ زمن تبني للعلماء مدناً خاصة بهم تجمعهم على صعيد واحد؛ وتكل إليهم إنجاز الدراسات المهمة، ونحن ما زلنا حتى الآن في هذا الشرق المسكين نعتمد على الدوافع الفردية بما فيها من نقص وقصور، وبما يدخلها من ملل وانقطاع فمن أجل ذلك تجيء أعمالنا كلها ودائماً بتراء ناقصة؛ وإزاء هذا الأمر فنحن لا نملك حق التخلي عن المهمات فلنعمل ضمن الميسور والميسور، اليوم أن يقول القائل ما يراه الحق والصواب، وأن يضرب صفحاً عن المشروعات الطموحة والخطط العريضة، وبحسبي في هذا المجال أنني أقول كلاماً يحتوي أفكاراً مؤسسة على قواعد في البحث والدرس أظنها علمية؛ ومن بعد فأنا أجيز للناس عموماً أن ينتفعوا بهذه الأفكار شريطة أن لا يشوهوها ولا أدري فقد يتفضل الله علينا ذات يوم فيبعث فينا القدرة على أن نصب هذا الذي نقول ونعتقد، على الورق كلاماً ينتفع به الناس إلى أزمان طويلة لهذا فأنا حريص على أن أتحدث بين الآن والآن عن حدود المنهج، وجوانب المنهج وأن أمثل لهذه الحدود ولهذه الجوانب كي يتعرف الإخوة على الخطوات التي تتبع في الدراسة وعلى العمليات التي تمارس من أجل استخلاص الفكر؛ لكن لماذا بعد هذا العمر الطويل؟ هنا لا بد أن نقدم فنقول:

لعل بعضكم يذكر في عام 1967 وفي هذا المكان وبعد أن خرجنا من الهزيمة المرة على أثر ضجيج شمل العالم العربي خمس عشرة سنة يشنشن بالقوة التي لا تقهر، وبالسلاح الذي لا يفل، وبالتنظيمات الثورية وبالأحزاب العقائدية التي تُرْخِصُ كل شيء من أجل القضية؛ وكانت جولة عمرها في الزمان ساعتان انجلى الغثاء، وتكشف الزبد؛ عن كذب عريض وعن تدليس مفضوح، وعن مؤامرة رهيبة شارك في صنعها كل الذين لعبوا على المسرح قبل سنة 67 - وفي هذا الصدد وفي تلك الأيام كنت أقف هنا في هذا المكان، وأقول للإخوة: إن النكبة التي حلت بالأمة قضاء من قضاء الله لا يغالب، وإن وراءها حكمة باتت الآن مكشوفة، وإن جميع الأنظمة وجميع المناهج من جميع الأصعدة وعلى مختلف المستويات؛ أثبت الواقع المر؛ عجزها وفشلها وإفلاسها، وإنه بات حتماً لازماً على الفاقهين من أبناء الأمة وعلى الذين يحسون بأحاسيسها ويتذوقون آلامها ويريدون لها مستقبلاً كريماً؛ أن يعيدوا مراجعة كل الذي كان يجب أن يجري حساب دقيق وحساب قاس للفرد من حيث هو فرد، وللمنظمة من حيث هي منظمة، ولنظام الحكم من حيث هو نظام حكم، وللمؤسسات العسكرية التي أعدت لندرأ بها في نحر العدو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت