فهرس الكتاب

الصفحة 26112 من 27345

هل يفهم المخدوعون الدروس ويستفيدون من العبَر؟

بقلم: د. توفيق الواعي

مازالت القوى الاستعمارية تبحث عن أغبياء لا يعقلون، وعن عملاء لايفقهون الدروس والعِبَرِ، وعن مراكب تسرج وتمتطى وتحمل الأوزار والخطايا والخبائث، وعن حناجر نابحة لاهثة بالعواء الضال والسعار الهائج الأرعن الذي يروِّع الحياة!!

والأغبياء في الشعوب المنحوسة كثيرون، والعملاء متوافرون، والمطايا منتظرون، والحناجر الضالة جاهزة ومستعدة، وكل هؤلاء وأولئك قد فقدوا كل شيء يربطهم بأممهم وانتماءاتهم وإنسانيتهم وشرفهم ورجولتهم، ومن غريب أنك تجدهم قد وُزعوا على شرائح الأمة بعد أن كانوا في أراذلها وأسافلها.

فقد تجد غبياً برتبة رئيس وزراء، وتجد عميلاً في منصب رئيس دولة، وتعثر على مطايا من أصحاب الوجاهات والأقلام المشهورة.

وقد كانت هذه العاهات والجراثيم مستترة في الأمم ومستخفية في حواشيها ومنبوذة في جنباتها، يُبحث عنها بصعوبة، وتُكتشف بشق الأنفس، تصحبها فضائح مدوية، وتعامل كجرائم بحجم الخيانة العظمى، عقوبتها الإعدام، أو السجن المؤبد، أما اليوم، فقد طفت على السطح وأصبحت تُرفع لها الأعلام، وتتصدر المجالس، وتتبوأ المناصب، وجوائزها قيمة قد تصل إلى المؤبد في السياسة وإطلاق اليد في مصائر الناس، وإغداق الأموال والحصول على الرضا والجاه، واكتساب الحصانات، ونيل الحظوات! وكل ذلك له شروطه وسننه التي أولها:

الطاعة العمياء للقوى المستغلة، الطاعة التي تهدد الشخصية وتضحي بمقومات الأمة واستقلال القرار فيها وتصل إلى هدم رجولتها وهويتها.

ثانيها: التأمين والموافقة والمباركة لكل ما يقال ويُفعل، والعمل بمقولة:"اعصب عينيك وسر وأنت أعمى".

ثالثها: القدرة على حفظ الأمن وقهر الشعوب، وتأديب الذين لا يسبحون ولا يحمدون، ولا يصفقون للتوجهات السامية والأوامر الموفقة التي يمليها السادة.

رابعها: اختيار العناصر المهزومة لتتولى المهام الصعبة، واللبنات الملوثة لتمسك بمقومات الأمة وتلعب بمقدراتها، وتنهب ثرواتها، وتخرب اقتصادها، وتفسد مجتمعها، وتميع رجولة أبنائه.

خامسها: اتباع سياسات الإقصاء للعناصر الفاعلة في الأمة، والاعتماد على الأغبياء أصحاب المواقف الهلامية والمصالح الشخصية واعتماد المواقف الضبابية والدخانية المصاحبة للتهييج الإعلامي القائم على زخم الشعارات لإلهاء الشعوب وخداعها وتضليلها.

لكل هذا وغيره ركعت الشعوب التي أصيبت بهذا الصنف وكاد أن يُقضي عليها، لما يُفعل بها مما لا يصدقه عقل، أو يقره قانون أو شرعة أو دين، ومن غريب أن يقع ذلك في ديار المسلمين، ضد الإسلام والعاملين له بالمعروف والموعظة الحسنة، وقد أدى ذلك إلى صراع بين هذا الباطل وبين راغبي الإصلاح نتج عنه طحن لقوى الشعوب وكره لسلطانها، استطاعت قوى الاستعمار التي تقدم الحماية للجلادين استغلاله في إحكام قبضتها عليهم حتى يفرغوا مما وكل إليهم في إهلاك الأخضر واليابس، ثم تأتي هي لتتقمص دور المنقذ، وتأتي بوجه جديد قد يكون ألعن من السابق.

هذا وقد هال الجميع حال المسلمين البئيسة في بلادهم، فعقد لذلك مؤتمر بلندن هذا العام للبحث في شؤون أسرى المسلمين وتجلية أوضاعهم والاطلاع على التقارير التي ترد بشأنهم وإصدار التوصيات التي تخفف من نكبتهم، وقد أرعبني كثير من التقارير التي وردت إلى المؤتمر، أذكر منها تقريراً عن أحوال المسلمين في أوزبكستان، يقول:"نحن في أوزبكستان لم نلتق اليهود الذين يبيدون المسلمين جهاراً كما يحدث في فلسطين، ولا نلتقي الأمريكان حيث يموت الناس تحت وابل من القنابل كما كان في أفغانستان والعراق."

ولكن المتأمل في الأحداث التي تجري هنا حول المسلمين يقف على نوع خاص للحرب ضد الإسلام، فهي حرب غريبة وفريدة في بابها، قل أن يوجد لها مثيل في العالم، نتحدث عن جزء منها، عن حالات زج المسلمين في غياهب السجون، وممارسة التعذيب الهمجي تجاههم، ووضعهم في الظروف القاسية، وقتلهم عمداً هناك، حيث أصبحت أوزبكستان اليوم دياراً للمساجين والأسرى، وقد يبلغ تعداد المسجونين فيها المتهمين بالأسباب الدينية وغيرها من الأسباب الواهية زهاء 200 ألف سجين، وتدَّعي السلطات أن عددهم 65 ألفاً فقط، هذا عدا لوائح الاتهام المعدة لدى الحكومة بأسماء مائتين وخمسين ألف مسلم ممن تتهمهم بأن لهم ميولاً إرهابية تطرفية.

وعلى رأي بعض المراقبين، فإن السلطات قد خططت لاعتقال كل من يصلي وكل من تلبس الحجاب في مستقبل قريب، وأسماؤهم وعناوينهم مسجلة ومصنفة في لوائح سود، هذا وكم من الناس سُجن، وكم منهم اختطف، وكم منهم قضى نحبه في السجن، والحكومة لا تعلن المعلومات الحقيقية عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت