د . محمد بن سعود البشر 16/11/1425
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ورواج مصطلح الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي والغرب الليبرالي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، بدا واضحًا أن الحروب التالية هي حروب أفكار، وأن المنتصر في هذه الحروب الفكرية، هو المنتصر على جميع الأصعدة الأخرى .. فبدأ ظهور مراكز الدراسات السياسية و الاستراتيجية، باعتبارها مصانع لأسلحة الفكر، واستطاعت هذه المراكز بالفعل أن تقود الدول التي أولت اهتمامًا أكبر بهذه المصانع الفكرية إلى آفاق بعيدة من التفوق الذي وصل إلى حد السيطرة التامة والانفراد بقيادة العالم، ونقصد بذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي أفسحت المجال لمئات من مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية، لتوجيه صُنّاع القرار السياسي والاقتصادي بل وتوجيه الرأي العام الأمريكي والدولي، والتأثير في القطاعات الفاعلة على المستويات الشعبية في كثير من الدول، وليس أدل على نجاح مراكز الدراسات الاستراتيجية في قيادة الولايات المتحدة إلى ما وصلت إليه الآن من شبه انفراد بالسيطرة على العالم، من أن عدد هذه المراكز الأمريكية والتي أطلق عليها منذ ظهورها"بيوت الخبرة"يتجاوز (1750) مركزًا منتشرة في جميع الولايات الأمريكية، وتحتضن العاصمة واشنطن وحدها ما يزيد عن المائة منها .. ولنا أن نتصور حجم الميزانيات الضخمة التي تُنفق على هذه المراكز والتي تضم خيرة الباحثين والمتخصصين في العلوم السياسية والاستراتيجية، وهي مبالغ طائلة، يؤكد ذلك أن الولايات المتحدة عندما قررت خفض نسبة 2% فقط من موازنة المؤسسة القومية للعلوم، كانت هذه الـ 2% تزيد عن (105) مليون دولار، وهو ما يعني أن موازنة هذه المؤسسة تتجاوز (4) مليارات، والأهم من ذلك أن هذه المراكز تعمل بحرية كاملة لا تمنعها من انتقاد بعض السياسات والممارسات الحكومية، وطرح البدائل الصحيحة وتقدم الأدلة الموضوعية على خطأ هذه الممارسات وصحة البدائل.
هذه النظرة إلى مكانة المراكز السياسية و الاستراتيجية والتأمل فيما استطاعت أن تحققه من تفوق وازدهار لبلاد ليست ذات تاريخ عريق في مسيرة الحضارة الإنسانية، ومقارنتها بواقع البحث العلمي المهمل في العالم العربي والإسلامي، وموقع الدول العربية والإسلامية المتأخر في ركب الحضارة المعاصرة، يكشف لنا مدى حاجتنا إلى العمل على إنشاء وتفعيل دور مراكز الدراسات السياسية و الإستراتيجية إذا كنا نروم اللحاق بركب الحضارة ، والمشاركة في صناعتها، والأهم من تلك المشاركة، أن نخرج من دائرة"الاستهداف"والاستهلاك لما تنتجه حضارة الأقوياء.
وإذا كان إهمالنا لقيمة البحث العلمي هو أحد الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، فان التحديات الراهنة والمستقبلية، تستوجب الإسراع بعلاج هذا الإهمال والإعلاء من قيمة العلم والبحث العملي ونقصد بالعلم هنا، ليس العلوم الطبيعية البحتة من كيمياء وفيزياء ورياضيات وغيرها، لكن العلم بمعنى الموضوعية والتحليل والمستند إلى أدلة منطقية وحقائق تضمن الوصول إلى نتائج واضحة ودقيقة.
إن مراكز الدراسات الاستراتيجية هي مصانع الفكر القادرة على خوض ومواجهة تحديات المستقبل، وكلما زادت فاعلية هذه المراكز وزاد عددها تضاعفت القدرة على مواجهة أي مخططات خارجية تستهدف البناء العقدي للمجتمعات العربية والإسلامية، كما تضاعفت قدرة مجتمعاتنا على مواجهة أي محاولات لتسميم الأفكار من الداخل، إذ بإمكان هذه المراكز -متى وجدت الدعم المالي والمناخ الصحي الذي يسمح لها بأداء عملها- دق أجراس الإنذار مبكرًا للتحذير من أي ظواهر مرضية يمكن أن تؤثر بالسلب في صحة المجتمع وطرح وسائل علاج هذه الظواهر.
قد يبدو النموذج الأمريكي وما تحظى به مراكز الدراسات السياسة و الاستراتيجية من دعم، وما تُحاط به نتائج بحوثها وتوصياتها من احترام وتقدير من أعلى دوائر صناعة القرار محبطًا لنا إذا أردنا البدء في تفعيل دور مراكز البحوث والدراسات في العالم العربي والإسلامي لاتساع الفارق الزمني بين ظهور هذه المراكز الأمريكية ومراكزنا القليلة والتي لم يمضِ على أقدمها أكثر من (20) عامًا أو يزيد قليلًا. لكن ماذا عن النموذج الإسرائيلي في العناية بالبحث العلمي وصناعة الفكر؟ هذه العناية التي وضعت دولة صغيرة في حجم إسرائيل في صدارة الدول المشاركة في البحوث العلمية والأكثر إنفاقًا عليه!