فهرس الكتاب

الصفحة 2717 من 27345

(بدء الوحي)

بينما كانت البشرية تعيش في دياجيير الظلمات الحالكة , وتعاني من أنماط الحياة المهلكة, حيث خيم عليها الطغيان البشري الضاغط والجهل العالمي الجاثم , والاستسلام للشهوات المنحرفة من غير رادع ولا زاجر , إذا بشعاع النور الإلهي يهبط فجأة من السماء لينير جنبات الأرض , يحمله الروح الأمين عليه السلام فيفاجئ به سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء , قد خلا للتأمل والتعبد بعيدًا عن جلبة الناس وضجيجهم .

وإنَّ أفضل من يحدثنا عن هذا الحادث العظيم الذي تغير له وجه التاريخ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم, فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم حبب إليه الخلاء , وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد , قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك , ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها , حتى جاءه الحق وهو في غار حراء , فجاءه المَلَكُ فقال: اقرأ . قال: ما أنا بقارئ . قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد (1) , ثم أرسلني فقال: اقرأ . قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد , ثم أرسلني فقال: اقرأ . فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة , ثم أرسلني فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (العلق:1،2،3) فرجع بها (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زَمِّلوني زِمْلوني , فَزَمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع , فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي , فقالت خديجة: كلا والله لايخزيك الله أبدًا , إنك لتصل الرحم , وتحمل الكَلَّ , وَتكْسِبُ المعدوم , وتقري الضيف , وتعين على نوائب الحق .

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى - ابن عم خديجة - وكان امرءًا تنصر في الجاهلية , وكان يكتب الكتاب العبراني , فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ماشاء الله أن يكتب , وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة: يا ابن عمِّ اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى . فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى , ياليتني فيها جَذَعًا , ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجيَّ هم ؟ قال نعم , لم يأت رجل قط بمثل ماجئت به إلا عودي , وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا . ثم لم ينشب ورقة أن تُوفي , وفتر الوحي (3) .

لقد كانت الأرض كلها تعيش في ذلك الزمن في ظلمات الجاهلية , فكانت بداية انطلاق النور الإلهي في تلك اللحظة التي خاطب بها جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولقد حل ذلك النور في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تحول إلى مصباح متحرك يضيء لمن حوله, وأصبح يراه من زالت عن عينيه الغشاوة فينجذب إليه ويترقى بهديه نحو الكمال .

لقد كان وقع نزول الوحي شديدًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو واضح من هذا النص على الرغم من أنه كان أشجع الناس وأقواهم قلبًا كما دلت على ذلك الأحداث خلال ثلاث وعشرين سنة , وذلك لأن الأمر ليس مخاطبة بشر لبشر ولكنه كان مخاطبة عظيم الملائكة وهو يحمل كلام الله تعالى ليستقبله من اصطفاه الله جل وعلا لحمل هذا الكلام وإبلاغه لعامة البشر .

ولقد كان موقفًا رهيبًا ومسؤولية عظمى لايقوى عليها إلا من اختاره الله تبارك وتعالى لحمل هذه الرسالة وتبليغها .

ومما يصور رهبة هذا الموقف ماجاء في هذه الرواية من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"لقد خشيت على نفسي"وقول عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث"فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني , فزملوه حتى ذهب عنه الروع".

ومما يبين شدة نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:"ولقد رأيته - تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه لَيَتَفَصَّدُ عرقًا" (4) .

وما أخرجه الإمام مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:"كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كُرب لذلك وتربَّد وجهه" (5) .

أثر المرأة الصالحة في خدمة الدعوة

( إسلام خديجة بنت خويلد وجهودها في الدعوة)

من المعروف أن المجتمع مكون من الرجال والنساء , وأنه كما أن للرجال جهودًا مشكورة في خدمة الإسلام فإن للنساء جهودًا مشكورة كذلك , وإن كانت هذه الجهود قد تختلف في بعض أنواعها حسب اختلاف تكوين الرجال والنساء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت