فهرس الكتاب

الصفحة 2718 من 27345

وأمامنا في هذه المرحلة التي يدور حولها الحديث مثل من جهود المرأة الصالحة في حياة زوجها الداعية .

فحينما أنزل الله تعالى الوحي بواسطة جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجئ به كما تقدم في خبر بدء الوحي الذي أخرجه الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها . فكان موقف خديجة رضي الله عنها عاليًا في تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم حيث قالت:"والله لايخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكَلَّ وتكسب المعدوم , وتقري الضيف , وتعين على نوائب الحق"ثم في ذهابها إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وعرضها الموضوع عليه رجاء أن تجد عنده ما يُسَرِّي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقوي قلبه .

وهكذا كان موقف خديجة رضي الله عنها الذي يدل على قوة قلبها حيث لم تفزع من سماع هذا الخبر الخارق للعادة , ولعل ماكانت تسمعه من ابن عمها ورقة بن نوفل من انطباق صفات النبي المنتظر على محمد صلى الله عليه وسلم كان له الأثر الأكبر في ثباتها ويقينها حيث غاب عنها عامل المفاجأة واستقبلت الأمر بهدوء وسكينة , ولا أدل على ذلك من ذهابها فور سماعها الخبر إلى ورقة وعرض الأمر عليه .

ومن أجل هذا التصديق برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورقة بن نوفل ولما صدر منه من ذلك الموقف الذي ثَبَّتَ به النبي صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم قد شهد له بالجنة كما جاء في رواية أخرجها الحاكم بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين"قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي (6) .

وذكر الصالحي أن البزار وابن عساكر روياه بإسناد جيد , وقال: وروى الإمام أحمد بسند حسن عن عائشة أن خديجة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة فقال:"قد رأيته فرأيت عليه ثيابًا بيضًا , فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض"قال: وروى أبو يعلى بسند حسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل فقال:"أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس" (7) .

كما أن موقف خديجة من خبر الوحي يدل على سعة إدراكها حيث قارنت بين ماسمعت وواقع النبي صلى الله عليه وسلم فأدركت أن من جُبِلَ على مكارم الأخلاق لايخزيه الله أبدًا , فقد وصفته بأنه يصل الرحم , وكون الإنسان يصل أقاربه دليل على استعداده النفسي لبذل الخير والإحسان إلى الناس , فإن أقارب الإنسان هم المرآة الأولى لكشف أخلاقه , فإن نجح في احتواء أقاربه وكسبهم بماله عليهم من معروف كان حريًّا به أن ينجح في كسب الآخرين من البشر , وإن هو أخفق مع الأقربين كان إخفاقه مع الأبعدين من باب أولى .

ووصفته ببذل المعروف والإحسان حيث قالت:"وتحمل الكَلَّ"والكل هو العاجز الذي لايستقل بأمره بنفسه بل يحتاج لمعونة غيره .

كما وصفته بالكرم النادر المثال حيث قالت:"وَتكْسِبُ المعدوم"يعني وتعطي غيرك المال المعدوم , أي نفائس المال التي يعدم نظيرها, والذي تسخو نفسه بنفائس المال سيعطي ماهو دون ذلك من باب أولى , وهذا من أبلغ الوصف في الكرم .

وخصَّت بالذكر إكرام الضيف وهو من الكرم لسمو من يتصف بذلك عند العرب .

ثم وصفته بالنجدة عند الشدائد حيث قالت:"وتعين على نوائب الحق"وهذه صفة من يعيش لغيره أكثر مما يعيش لنفسه وهي من أبرز صفات السادة النجباء .

وجاء في روايات أخرى عند البخاري:"وَتصدُق الحديث وتؤدي الأمانة"وهذه تكملة لسلسلة عظيمة من مكارم الأخلاق قلما تجتمع في رجل واحد .

وفي آخر هذا الخبر موقف كريم لورقة بن نوفل رحمه الله في آخر لحظات من عمره حيث ثَبَّتَ النبي صلى الله عليه وسلم وقوى قلبه بما أخبره به من أن الذي خاطبه هو صاحب السر الأعظم الذي يكون سفيرًا بين الله تعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام .

ومما يدل على أثر كلام ورقة في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وطمأنته ما جاء في رواية أخرى أخرجها ابن إسحاق وفيها:"فرجعَتْ - يعني خديجة رضي الله عنها - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتْه بما قال لها ورقة فسهَّل ذلك عليه بعض ماهو فيه من الهمِّ بما جاءه"وفي موضع آخر من الرواية:"ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله وقد زاده الله عز وجل من قول ورقة ثباتًا وخفف عنه بعض ماكان فيه من الهمِّ" (8) .

ولقد كان الباعث على الاطمئنان إلى كلامه علمه السابق بكتب أهل الكتاب التي فيها وصف مفصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه .

وهكذا تبين لنا أثر المرأة الصالحة في نجاح الدعوة , وذلك في موقف خديجة رضي الله عنها وماقامت به من تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يواجه الوحي لأول مرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت