فهرس الكتاب

الصفحة 2719 من 27345

وفي بيان مواقفها بعد ذلك يقول محمد بن إسحاق رحمه الله: وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره وكانت أول من آمن بالله وبرسوله وصدَّق بماجاء منه فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم , لا يسمع شيئًا مما يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها , تثبته وتخفف عليه , وتصدِّقه وتهون عليه أمر الناس, رحمها الله تعالى (9) .

لقد كانت خديجة رضي الله عنها تثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتسكنه وتهون عليه مخالفة الناس إياه, وكان يطلعها على جلية أمره مع المجتمع الذي يدعوه ويكابد صدوده وعداءه .

ولاشك أن الزوجة الصالحة المؤهلة لحمل مثل هذه الرسالة لها دور عظيم في نجاح زوجها في مهمته في هذه الحياة , وبخاصة الأمور التي يعامل بها الناس , وإن الدعوة إلى الله تعالى هي أعظم أمر يتحمله البشر , فإذا وفق الداعية بزوجة صالحة ذات كفاءة فإن ذلك من أهم عوامل نجاحه مع الآخرين .

فالإنسان يقضي مع الناس جزءًا من وقته , ولكنه يقضي في بيته الجزء الأكبر , فإذا وفق بمثل هذه الزوجة فإنه يفضي إليها بما قام به من دعوة الناس وما واجهوه من لين أو عنف, واستجابة أو امتناع ويبثها همومه ويشرح لها مشكلاته , وهي بما لديها من صلاح وكفاءة إذا وضع زوجها بها هذه الثقة ستبذل كل مافي طاقتها من تفكير ومقدرة على العمل فتبدأ أولًا بتقوية قلبه وتخليصه شيئًا فشيئًا مما يعانيه من الهم والقلق , ثم تكون عونًا له على إكمال مهمته بنجاح , إلى جانب قيامها بمهمتها في الدعوة فيما يتعلق بالنساء , وقيام زوجها بتأييدها وتثبيتها وإكمال ماتحتاج إليه لنجاحها في مهمتها , وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول:"الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (10) .

وخديجة رضي الله عنها قد قامت بدور مهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم , لما لها من شخصية في مجتمع قومها , ولما جبلت عليه من الكفاءة في المجالات النفسية التي تقوم على الأخلاق العالية من الرحمة والحلم والحكمة والحزم وغير ذلك من مكارم الأخلاق .

والرسول صلى الله عليه وسلم إلى جانب ماحباه الله به من الكمالات البشرية في جميع المجالات , وإلى جانب كونه قبل ذلك محفوفًا بعناية الله جل وعلا وتأييده في كل خطوة يخطوها , فإن الله تعالى وفقه بهذه الزوجة الصالحة , لأنه قدوة للعالمين وخاصة الدعاة إلى الله تعالى , فقيام خديجة بذلك الدور الكبير إعلام من الله تعالى لجميع حَمَلة الدعوة الإسلامية بما يشرع لهم أن يسلكوه في هذا المجال من التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتحقق لهم بلوغ المقاصد العالية التي يهدفون إليها .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالًا عاليًا للوفاء ورد الجميل لأهله , فقد كان يعامل خديجة رضي الله عنها بغاية الإكرام والتقدير حال حياتها , وظل يذكرها ويثني عليها بعد وفاتها, كما أخرج الإمامان البخاري ومسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خير نسائها مريم , وخير نسائها خديجة" ( 11) . وبشرها صلى الله عليه وسلم ببيت في الجنة حال حياتها , وأبلغها سلام الله جل وعلا وسلام جبريل عليه السلام كما أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:"أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام- أو طعام أو شراب- فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب (12) لاصخب فيه ولانصب (13) ."

وتذكر عائشة رضي الله عنها وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة بعد وفاتها بقولها:"ماغِرْتُ على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ماغرت على خديجة وما رأيتها , ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها, وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة , فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة ؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد" (14) .

بل إنه أظهر البشاشة والسرور لأخت خديجة لما استأذَنتْ عليه لتَذَكُّره خديجة كما أخرج الإمام مسلم من حديث عائشة قالت: استأذَنتْ هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة (15) فارتاح لذلك وقال: اللهم هالة بنت خويلد , فغرت فقلت: وماتذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين (16) هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرًا منها" (17) . وأخرجه الإمام أحمد بنحوه من غير ذكر هالة بنت خويلد وزاد: فتَمعَّر وجهه تمعرًا ماكنت أراه إلا عند نزول الوحي أو عند المَخِيلة (18) حتى ينظر أرحمة أم عذاب (19) ."

وذكره الحافظ ابن كثير وقال: تفرد به أحمد وهذا إسناده جيد (20) .

وهذا يصور مقدار غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة وحفظه حقها رضي الله عنها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت