فكر محمد أسد كما لا يعرفه الكثيرون (6)
أ.
د/إبراهيم عوض
بعد أن أعلن محمد أسد إسلامه في المملكة العربية السعودية عام 1926م قضى بضع سنوات في تلك البلاد قريبا من الملك عبد العزيز آل سعود، ثم انتقل بعد ذلك إلى الهند حيث أصدر مجلة إسلامية بالاشتراك مع محمد مارمادوك بِكْثَلْ (وهو بريطانى أسلم مثل أسد، وترجم مثله أيضا القرآن الكريم إلى الإنجليزية) ، إلى أن قامت دولة الباكستان فتولى بعض المناصب فيها. وكان قد شارك في وضع دستور ذلك البلد عند نشأته وكتب أفكاره بهذا الشأن في رسالة بعنوان"Making Islamic Constitution: صياغة دستور إسلامى"، وإن لم يؤخذ إلا بالقليل جدا من اقتراحاته في ذلك الموضوع حسبما ذكر في مقدمة كتابه"منهاج الإسلام في الحكم"، الذى يُعَدّ تطويرا لما جاء في تلك الرسالة من أفكار [1] .
وفى هذا الكتاب يعرض محمد أسد رأيه في الطريقة التى ينبغى أن تُسَاس بها الدولة الإسلامية في العصر الحديث. والأساس الذى يجب بناء هذه الدولة عليه، كما جاء في كلامه، هو أن يكون دستورها إسلاميا، وقوانينها إسلامية، ورئيسها كذلك مسلما، إذ ليس في الإسلام ما يسمَّى بالفصل بين الدين والسياسة، كما أن الإسلام ليس عبادات فحسب، بل هو أيضا نظام اجتماعى غايته توفير التوافق والانسجام بين أفراد الأمة وطوائفها وتهيئة السبل للعيش الحر الكريم [2] . ومن هنا فإن الحكمومة العلمانية مرفوضة في الإسلام، إذ هى تحصر الدين داخل ضمير الفرد، وإذا خرجت به إلى الدنيا فإنها تُلْزِمه ألا يبارح جدران دور العبادة، أما الأخلاق والتشريعات فإنها ترجع عندها إلى الأفكار والآراء البشرية، وهى تتغير حسب الظروف، على حين أن الأخلاق في الإسلام هى أخلاق مطلقة لا يعتريها التبديل من عصر لعصر ولا من بلد لبلد، فضلا عن أن لهذا الدين منظومةً من الأسس التشريعية لا يمكن المِسَاس بها بحال [3] .
وفى هذا المجال الأخير يميِّز مفكِّرنا بين النصوص القرآنية والحديثية وبين اجتهادات الفقهاء في فهم هذه النصوص: فالأولى عنده مُلْزِِمَة ثابتة، أما الثانية فليست كذلك، إذ لا تمثل إلا فكر أصحابها داخل إطار زمانى ومكانى معين، ومن ثَمَّ فهى عرضة للتغير بتغير الظروف لأنها بشرية المصدر، بخلاف النصوص القرآنية والحديثية ذات المصدر السماوى. وهذه النصوص ينبغى، في نظره، أن تقتصر على الأحكام المحددة التى لا تقبل اختلافا في التفسير لبعدها عن أى غموض أو إبهام. وتتميز هذه الأحكام بأن عددها قليل ولا تتناول إلا الخطوط العامة، أما التفصيلات فمتروكة للاجتهاد البشرى، وتبعا لذلك فإنها عرضة للتغير لتواكب التطورات الاجتماعية والإنسانية المتلاحقة. وهذا، في رأيه، معنى قوله عزَّت قدرته في الآية 48 من سورة"المائدة": لكلٍّ جعلنا منكم شِرْعَةً ومنهاجا" [4] ."
لكن الملاحظ أنه لم يحدد لنا في هذا الكتاب تلك الآيات والأحاديث المحتوية على المبادئ التشريعية العامة التى ينبغى الالتزام بها في كل الظروف والعصور والبلدان [5] . لقد رأيناه مثلا ينفى أن يكون هناك حد للحرابة، لاويًا عنق آيَتَىْ سورة"المائدة"33- 34 اللتين تنصّان على ذلك الحد. فإذا كان الأمر كذلك فأخشى أن تكون نقطة الانطلاق لدى أسد في هذا الموضوع الخطير مفتقرة إلى المتانة المطلوبة. وبالمثل فإننا لا نعرف السبب الذى حدا بالمسؤولين في الباكستان ألا يأخذوا إلا بأقل القليل مما اقترحه في هذا الصدد. ثم إن قوله سبحانه:"لِكُلٍّ جعلنا منكم شِرْعَهً ومنهاجا"قد ورد في سياق الكلام عن شرائع أهل الأديان المختلفة من مسلمين ويهود ونصارى، لكن أسد يفهمه على أنه إشارة إلى تغير التشريعات الإسلامية التفصيلية حسب تغير الظروف. أى أن الضمير"كم"فى"منكم"لا يرجع إلى اليهود والنصارى والمسلمين جميعا، بل إلى أجيال المسلمين المتعاقبة وحدها، وهو ما لا تقبله الآية بسهولة. أما فيما عدا هذا فإن مساحة الاختلاف مع أسد هى من أضيق ما يكون، بل ربما لم يكن هناك خلاف البتة.