فهرس الكتاب

الصفحة 9742 من 27345

والنظام الحكومى الذى يقترحه المؤلف يقترب من بعض النواحى من نظيره في الديمقراطيات الغربية، فهو نظام يقوم على إرادة الشعب الحرة متمثلةً في الانتخابات التى تأتى بأعضاء مجلس النواب وتختار هذا الرئيس أو ذاك لكرسى الحكم، كما يقوم على مسؤولية الحاكم أمام هؤلاء النواب، وعلى المداولات النيابية، وعلى حرية التعبير والنقد، وعلى حماية الدولة لأمن المواطنين وتوفيرها سبل العمل والعيش الكريم لهم... إلخ. ومع ذلك فهناك عدد من الاختلافات بين النظام السياسى في الإسلام والنظام الديمقراطى الغربى: من ذلك مثلا مفهوم"الديمقراطية"نفسه، الذى يظن كثير من المسلمين أن الإسلام يرحِّب به ويصوغ نظامه في الحكم على أساسه، مع أنه يعنى، فيما يعنيه عند الغربيين، حقَّ الشعب المطلق في التشريع لجميع الأمور العامة بأغلبية أصوات نوابه. وهذا ما يسمى بإرادة الشعب، التى هى إرادة حرة لا تُسْأَل أمام سلطة غير سلطتها، وهو ما لا يقبله الإسلام، إذ يوجب على أتباعه إخضاع أفعالهم لتوجيهات الشريعة الإلهية التى نص عليها القرآن. ومعنى هذا أن إرادة الأمة الإسلامية ليست مطلقة السيادة بل محكومة بالإرادة الإلهية [6] .

بيد أن لنا ملاحظتين على هذا: أولاهما أن هناك، حسبما قال أسد، جانبا واسعا في مجال التشريع الإسلامى متروكا للمسلمين يستنبطونه من مبادئ الشريعة العامة، فضلا عن أنه لا يوجد ما يُلْزِم مسلمى عصر أو مجتمع ما بأن يأخذوا بما ارتآه مسلمو عصر أو مجتمع آخر. إذن فهناك مجال لحرية الإرادة البشرية في مجال التشريع الإسلامى، وليس الأمر إلزاما مطلقا إذن. والثانية أن المؤلف لم يقل لنا ما الذى ينبغى عمله لو رأت إحدى الأمم الإسلامية أن تترك الشريعة الإسلامية. ولقد قال هو نفسه إن كثيرا من المثقفين المسلمين اليوم يُعْجَبون بالفكر السياسى والقانونى الغربى ويَرَوْن أنه هو السبيل الوحيد أمام المسلمين للتحرر مما هم فيه من تخلف. ولقد انتهى الأمر في الباكستان إلى أن يهملوا بعض التشريعات الإسلامية رغم أن تلك الدولة قامت في الأصل على أساس أنها أمة إسلامية متميزة عن أمة الهندوس وتريد أن تبنى حياتها ونظامها السياسى والاجتماعى على قواعد الإسلام. فما الذى ينبغى عمله هنا يا ترى؟ الواقع أن هذه هى إحدى النقاط الهامة التى أهمل أسد بحثها وتقديم مقترحاته بشأنها. إن أسد قد أقام بناء فكره السياسى على أساس أن الأمة المسلمة قد اجتمعت كلمتها حكومةً وشعبًا على تحكيم الإسلام في كل شؤون حياتها، ولم يبق إلا البحث عن النظام الذى يكفل لها ذلك على أحسن وجه. ولكنْ كم شعبا من بين شعوب الإسلام التى تُعَدّ بالعشرات يصدق عليه هذا؟ إن كثيرا من هذه الشعوب تقول إنها تريد تطبيق الشريعة، فما الذى يمنعها من تنفيذ ذلك؟ وكيف تستطيع أن تتغلب على تلك العقبات؟ وما هى التضحيات التى ينبغى عليها أن تتحملها؟ وكم من الوقت يلزم لبلوغ هذه الغاية؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى جواب، إلا أن محمد أسد قد سكت عنها وكأنها غير موجودة!

وأغلب الظن أن السبب في ذلك كله هو أنه تناول هذا الموضوع في الأصل أيام بزوغ الدولة الباكستانية في أفق الوجود، وهى دولة كان يُفْتَرَض في حكومتها وشعبها أنهما يعملان بكل جِدًّ وإخلاص وتفانٍ على تحكيم الإسلام في كل أمورها وأحوالها، وهو ما لم تصدقه الحوادث التى حدثت بعد ذلك. لكنه يخبرنا في مقدمته للكتاب الذى نحن بصدده أنه ليس إلا تطويرا للأفكار التى كان قد طرحها أولا عند صياغة الدستور الإسلامى للباكستان [7] . وعلى هذا فما دام كتابه قد تطور عن ذى قبل وأصبح منفصلا عن مسألة الدستور ومشاكل وضعه، لقد كان ينبغى أن يوسع الأفق الذى يدور فيه كلامه بحيث يشمل العالم الإسلامى لا الباكستان فحسب.

وإذا كان هناك فرق بين الإسلام والغرب في قضية الديمقراطية، فكذلك الأمر فيما يتعلق بالثيوقراطية. ذلك أن الإسلام، بمعنى من المعانى، هو دين ثيوقراطى، لكنه بمعنى آخر ليس كذلك، إذ لو كان المقصود بالثيوقراطية أن يقوم رجال الدين بتسيير دفة الحكم والسياسة فهو غير ثيوقراطى، أما إذا كان المقصود بها استمداد القوانين من مصدر سماوى (هو في حالة الإسلام: القرآن والحديث) فهو ثيوقراطى [8] . وهذا أيضا مما يميز الإسلام عن الديمقراطيات الغربية التى ترفض الثيوقراطية رفضًا باتًّا بِكِلا المعنيين...وهكذا.

ومما يفترق به الإسلام عن الديمقراطيات الغربية أيضا أنه، وإن أوجب أن يجىء رئيس الدولة عن طريق الانتخابات، لم يحدد كيفية انتخابه ولا المدة التى يبقى فيها في الحكم. وعلى هذا جاز أن يُنَصّ على مدة معينة لرئاسته أو أن يظل قابضا على زمام السلطان طيلة حياته ما دام يؤدى واجبه بكفاءة وإخلاص ولم تضق به الأمه [9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت