فهرس الكتاب

الصفحة 9743 من 27345

كذلك يتميز الإسلام عن الديمقراطيات الغربية بأنه، رغم اعتماده الانتخابات سبيلا إلى اختيار رئيس الدولة، لا يقبل أن تُسْنَد الرئاسة إلى شخص غير مسلم، إذ من غير الطبيعى، بل ومن الظلم أيضا، أن ننتظر من مثل هذا الشخص التحمس لنشر الإسلام وتطبيق شرائعه. ومن رأى مؤلفنا أنه لابد من إعلان ذلك بوضوح وأن تُنَحَّى اعتبارات المجاملة في مثل هذا الأمر جانبا لأن المسألة مسألة مبدإ، فلا تجوز فيها المواربة أو المواراة، وإن سارع في ذات الوقت بالإشارة إلى أن عملية الانتخابات في حد ذاتها من شأنها أن تحسم هذا الأمر، إذ لن تنتخب الأغلبية الإسلامية بطبيعة الحال رئيسا غير مسلم. كذلك نراه يسارع إلى تأكيد أن الالتزام بهذا المبدإ شىء، والتمييز بين المواطنين على أساس الدين شىء آخر، فالإسلام يكفل للأقليات الدينية كل حقوقها ولا ينصر المسلمين عليهم بالباطل في حالة وجود خلاف بين الفريقين [10] . وفضلا عن هذا فهو لا يجد أى بأس في أن يكون في الحكومة الإسلامية وزراء غير مسلمين، ولكن بشرط ألا يكون المسؤول أمام نواب الشعب هم الوزراء بل رئيس الدولة نفسه، أما الوزراء فهم مجرد مساعدين له، وذلك كيلا يكون هناك صدام مع الشرط الذى وضعه القرآن المجيد بوجوب أن يكون أولو الأمر من المسلمين حسب قوله عز شأنه:"يا أيها الذين آمنوا، أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم" [11] .

وهناك مسألة أخرى قريبة من هذه، ألا وهى أن أمام المواطنين غير المسلمين في البلاد الإسلامية بالنسبة للتجنيد طريقين [12] : فبمستطاعهم الامتناع، إذا أرادوا، عن الانخراط في الجيش، وعندئذ فعلى من يختار هذا السبيل منهم أن يؤدى الجِزْيَة للخزانه العامة لقاء إعفائه من التجنيد، وهو شىء مشابه لما كان يسمَّى في مصر قبل يوليه 1952م بـ"البَدَليّة"، وبمستطاعهم أيضا، إذا شاؤوا، أن يشاركوا إخوانهم المسلمين في الانخراط في سلك الجندية، وحينئذ فلا جِزْيَة.

ولأسد، في نظام الحكومة الإسلامية من حيث العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، اقتراح مهم يفترق به أيضا هذا النظام عن الديمقراطيات الغربية، وهو أن يجمع رئيس الدولة في يده كُلاًّ من الأعمال التشريعية والأمور التنفيذية تجنبًا لحدوث تصادم بين السلطتين يوقف دولاب الحكم كما يقع أحيانا في الدول الغربية فلا يستطاع في بعض الظروف الحرجة البتّ فيما يراد الحسم فيه على وجه السرعة. على أن أسد يؤكد في الوقت ذاته أن رئيس الدولة الإسلامية مُلْزَم رغم ذلك بأى قرار يحظى بموافقة الأغلبية من أعضاء مجلس الشورى بحيث لا تكون قرارات ذلك المجلس مجرد توصيات يأخذ بها الرئيس أو لا يأخذ، بل لابد أن تكون لها صفة الإلزام.

ومما يتمايز فيه النظامان أيضا أن النظام الإسلامى لا يقتصر على الجوانب السياسية والاقتصادية فقط كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية، بل يشمل كذلك نواحى العقيدة الأخلاق، فهو نظام متكامل يهتم بالإنسان بكل أبعاده.

على أن أسد لا ينسى مع ذلك أن ينبه إلى الصعوبات التى تواجه تطبيق النظام الإسلامى سواء من داخل صفوف المسلمين أنفسهم أو من بين صفوف أعدائهم: فهناك مسلمون جامدون مشدودو الأبصار إلى الماضى لا يستطيعون أن يكيّفوا أنفسهم مع الحاضر ولا أن يعيشوا فيه، فتراهم مثلا يعتقدون أن على الدولة الإسلامية محاربة الدنيا كلها حرب عدوان وتوسع، وأنه لا تجوز المساواة بين المسلمين والأقليات غير الإسلامية داخل هذه الدولة، وأن العادات والتقاليد التى ورثوها عن مجتمعاتهم هى من صميم الإسلام لا يجوز تغييرها ولا مِساسها مهما تكن مخالفة لروح الإسلام ومبادئه. وهناك من الناحية الأخرى أولئك المسلمون المتأثرون بالغرب وبثقافة الغرب وبنظام الغرب السياسى والتربوى والذين يرفضون أى حديث عن النظام الإسلامى ويَرَوْن فيه تخلفا ورجعيه، وبخاصة أن ذلك النظام قد ارتبط في أذهانهم بذلك الفريق الجامد من المسلمين الذين يريدون إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وجعل الحاضر نسخة من الماضى دون زيادة أو نقصان أيا ما تكن المشاكل الناجمة عن ذلك. ثم هناك ثالثا القوى الكبرى المتربصة بالإسلام وأمته وحكومته والتى تخطط وتبذل جهودها بغية منع المسلمين من استعادة حيويتهم وقوتهم ومجدهم، إذ يَرَوْن في البعث الإسلامى تهديدا لهم ولمصالحهم. ولا ننس كذلك من يعيش بين ظَهْرَانَىِ المسلمين من أقليات غير مسلمة لا يَرْحُب صدرها لتطبيق النظام الإسلامى، الذى يَرَوْن فيه مصادرة لحريتهم وعدوانا على ذاتيتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت