د.فهد بن عبد الرحمن اليحيى الأستاذ المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم/قسم الفقه 14/4/1424
الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله، النبي الأمين وآله وصحبه أجمعين وبعد ...
فقد كثر الحديث عن الرؤى في هذا الزمن ، وأصبح البعض يسرد الرؤى في إثبات حوادث معينة ، أو في الدلالة على دنوّها وقربها ، وقد يكون من تلك الحوادث ما قد جاء في الأحاديث الصحيحة كالمهدي ، والدجال ونحو ذلك .
ولما رأيت ذلك وأدركت خطورته ، رغبت أن أكتب ما أرجو به من الله التوفيق والسداد لبيان ما ينبغي بيانه في هذا الباب ، لينتفع به كل طالب للحق .
وقد اقتصرت على ما يتعلق بموضوع الاعتماد على الرؤى كالاستناد إلى معنى حديث أبي هريرة رضي الله عنه: « إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ » ، وإلى تواطؤ الرؤى والعمل بها ونحو ذلك دون التفصيل في جميع ما يتعلق بالرؤى حيث قد كُتب فيه وأُلقي ما تحصل به الكفاية .
حديث إذا اقترب الزمان
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب...» (1) .
فما معنى اقترب الزمان ؟ .
ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (2) أقوالا في معناه فمنها:
أن معناه تقارب زمان الليل والنهار ، وهو وقت الاعتدالين.
وإن كان قد رجح أن معناه اقتراب آخر الزمان،ويؤيد هذا المعنى رواية الترمذي: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب » (3) .
فإذا قيل: نحن في آخر الزمان فينطبق علينا هذا الحديث .
فنقول: إن « آخر الزمان » أمر نسبي ، بمعنى: أن كل جيل بعد النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أنه في آخر الزمان ؛ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين » (4) .
وفي الصحيحين (5) عن عبد الله بن عمر قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد قال ابن عمر فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن .
ففي هذا الحديث إشارة من ابن عمر أن من الناس من كان يظن قيام الساعة في نهاية المائة الأولى من الهجرة .
ومن المعلوم على مر التاريخ من لدن قرن الصحابة رضي الله عنهم إلى القرن الذي نعيش فيه وكل قرن يظنون أنهم في آخر الزمان .
وعلى هذا فتنْزيل: « آخر الزمان » على واقع معين ليس دقيقًا ، وما يدرينا فلعل بيننا وبين الساعة أكثر مما مضى من الزمان بيننا وبين عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
وعلى كل حال فلا ينبغي الاستدلال بهذا الحديث على مزية الرؤى في زماننا والأخذ بها والدلالة على تصديقها (6) .
التواطؤ في الرؤيا
تكلم البعض عن التواطؤ في الرؤيا ، وأن الرؤيا إذا تواطأت دل ذلك على صدقها ؛ بل جزم بعضهم بصدقها بمجرد هذا التواطؤ ؛ بل ورتبوا على هذا الصدق العمل بمقتضى ما دلت عليه .
ولا بد هنا من الإشارة أولًا إلى مستند ما يقال عن التواطؤ لدى البعض .
ذلكم هو حديث ابن عمر رضي الله عنهما: « أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر » متفق عليه (7) .
ثم من تمسك بهذا النص أضاف إليه قول ابن حجر:"في هذا الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا ، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية ، بشرط ألا يخالف القواعد الشرعية" (8) ، وقال في موضع آخر:"ويستفاد: أن تواطؤ جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها كما يستفاد:قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة" (9) .
وهاهنا وقفات مهمة:
1 -هل يمكن اعتبار الرؤيا هنا وحدها هي المستند لدى النبي صلى الله عليه وسلم في تعيين ليلة القدر ؟ .
لا يمكن القول بذلك إذ النبي صلى الله عليه وسلم إنما يستند إلى الوحي ، وإنما استأنس النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الرؤيا .
ثم هل يمكن قياس غيره عليه ؟ .
كلا ، فإنه - عليه الصلاة والسلام - وحده الذي يتلقى منه التشريع ، فيكون المعتبر للمسلمين في تعيين ليلة القدر في السبع الأواخر ، أو تأكيدها فيها هو إقرار النبي صلى الله عليه وسلم وقوله .
2 -يدل على ذلك أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم استأنس برؤيا عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه في الأذان ، وأخذ بالأذان فيها (10) ، ذلك الأذان الذي لا يزال شعار المسلمين من لدن ذلك العهد إلى أن تقوم الساعة ، مع أن تلك الرؤيا لم تتواتر ويتواطأ عليها جماعة من الصحابة .