فهرس الكتاب

الصفحة 4733 من 27345

إذًا ، فالمعتمد ليس هو الرؤيا ، وإنما المعتمد إقرار النبي صلى الله عليه وسلم وتشريعه ، والتشريع يكون بأسباب وطرائق شتى .

ومن ذلك أيضا:

ما جاء في المسند (11) عن ربعي بن حراش عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال من أنتم قالوا نحن اليهود قال إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله فقالت اليهود وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد ثم مر برهط من النصارى فقال من أنتم قالوا نحن النصارى فقال إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله قالوا وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وما شاء محمد فلما أصبح أخبر بها من أخبر ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال هل أخبرت بها أحدا قال عفان قال نعم فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها قال لا تقولوا ما شاء الله وما شاء محمد .

ومن هنا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين استفاد من الرؤى لم يتوقف على تواطئها، ولذا كانت رؤيا عبد الله بن زيد سببًا في مشروعية الأذان، مع عدم وجود التواطؤ فيها .

وكذلك الرؤيا الأخرى كانت سببًا للتنبيه على هذا الخطأ في الألفاظ ، مع عدم تحقق التواطؤ فيها .

مع أن كلًا من الأذان والخطأ في الألفاظ أعظم شأنًا من مجرد تعيين ليلة القدر في السبع الأواخر؛ لا سيما الأذان .

وعلى هذا فقد يقال: إن مقتضى هذه الأحاديث إذًا الأخذ بالرؤى وإن لم تتواطأ ، والجزم بصدقها ، والعمل بمقتضاها، وهذا لا يقولون به لبُعده .

فيلزمهم الإجابة عن حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه ، وحديث الطفيل فإن أجابوا بأن العبرة والمستند هو تشريع النبي صلى الله عليه وسلم ، قلنا: كذلك يجاب عن حديث ابن عمر - رَضِيَ الله عَنْهُمَا - ولا فرق .

وخلاصة الأمر: أن التواطؤ الوارد في الحديث لا ينبغي أن نأخذ منه أن تواطؤ الرؤى يحمل على الجزم بها بإطلاق ؛ حيث لا دلالة فيه على ذلك كما تقدم .

3 -أما ما ذكره ابن حجر - رحمه الله - فنقول: إما ألا يسلم بمعنى الجزم بالرؤيا ، ولكن يمكن اعتباره كقرينة لا أكثر ، وكلامه يشعر بذلك ، وقد تقدم ما في الاستدلال بحديث ابن عمر - رَضِيَ الله عَنْهُمَا - من النظر .

وإما أن يقال: قد علَّق ابن حجر ذلك بألا يخالف القواعد الشرعية ، وما يفعله البعض بوضع الرؤى في منْزلة لم يجعلها الشارع لها مخالف للقواعد الشرعية .

وعلى التسليم بكلام ابن حجر واستدلاله فإنما يجري كلامه على التواطؤ الصحيح التام بشروطه ، وهذا ما سأشير إليه في الوجه التالي .

4 -على فرض التسليم بأن التواطؤ يمكن اعتباره دليلًا على صدق الرؤيا ، فإن التواطؤ هنا له شروط من أهمها: صدق من رأى تلك الرؤيا ، فمن أين لنا في هذا الزمن رجالًا كصحابة المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ .

إن من يدعي التواطؤ في بعض الرؤى إنما يعتمد على من لا يمكن الجزم بصدقه وثقته ؛ بل وكثير منهم مجاهيل ؛ كمن يقول: اتصلت بي امرأة ، أو شيخ كبير ، أو طفل ، أو عن طريق الهاتف ، وآخر يقول رأت ابنة صديقي ، أو زوجة أحد المشايخ ... في الله هل هؤلاء يفرح بهم في (ادعاء التواطؤ ؟) ، وبعضهم أحسن أحواله أن يكون مستور الحال .

فإذًا لا يمكن اعتبار التواطؤ إلا ممن هو معروف بصدقه وثقته وصحة عقله ، فهذا شرط .

ثم شرط ثانٍ وهو: العدد في التواطؤ .

ثم هناك شروط أخرى مثل: ألا تكون الرؤيا من حديث النفس ، أو من وسوسة الشيطان، فإذا دلت القرائن على احتمال كونها كذلك فلا ينبغي التعويل عليها ، فقد تتوارد الرؤى لدى جماعة من الناس في أمر لكثرة تفكيرهم فيه .

فإذا تردد في النفوس أن عهد المهدي ربما قرب زمانه وردده الناس في مجالسهم ، فما الذي يمنع أن يتحول لدى البعض إلى رؤيا مما يحدث نفسه ؛ كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقسيم الرؤيا ، وأن منها ما يحدث المرء نفسه (12) .

أما تدخل الشيطان في هذا التواطؤ فغير بعيد ، بمعنى: أن الشيطان قد يأتي لهذا ولذاك من أجل أن يصل إلى تصديق الناس بتلك الرؤيا ؛ ثم يعملون بمقتضاها ، فيتحقق له ما يريد من فتنة ، أو إرجاف ، أو تحزين ، كما في تقسيم النبي صلى الله عليه وسلم المشار إليه قريبا أن الرؤيا قد تكون تحزينًا من الشيطان .

والتحزين قد لا يكون بالرؤيا السيئة فقط ؛ بل قد يكون بالرؤيا الحسنة من الشيطان ، والتي يتعلق بها الشخص ويترقب حصولها ؛ ثم لا تحصل فيقع الحزن حقًا للرائي وبكل من صدقه في رؤياه .

وقد وجدنا أمثلة واقعية لتواطؤ رؤى ؛ ثم انجلى الأمر وظهر أنها من الشيطان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت