فهرس الكتاب

الصفحة 5323 من 27345

التدافع في منى من منظور نفسي - اجتماعي

مريم بنت عبداللطيف الناجم * 18/12/1426

يُعدّ رمي الجمرات من أسهل مناسك الحج وأيسرها أداء، ذلك أن عملية الرمي

بحد ذاتها لا تتطلب أكثر من رمي عدد معين من الحصيات التي جمعها الحاج من مزدلفة، ومع ذلك يقع أثنائها أخطر الحوادث، وأكثر الإصابات لدى الحجاج حتى أصبحت حوادث التدافع بمنى وما ينتج عنها من وفيات من الأشياء المتوقعة في مثل هذا الموسم العظيم، وخاصة في اليوم الثاني من أيام التشريق.

ونظرًا لأهمية الحدث فقد تناوله الكثير من المحللين والمهتمين بهدف التوصل إلى تفسير دقيق وموضوعي للحدث، كل بحسب وجهة نظره وتخصصه، ومن خلال متابعة آراء المحللين نجد أنها ركزت على الجانب المادي والتنظيمي، واهتمت بالمكان والخدمات بشكل عام، لذا سيكون الحديث هنا عن الجانب النفسي والاجتماعي للحاج، والذي يُعدّ غاية في الأهمية؛ لأن إغفاله قد يُبقي على المشكلة حتى مع توافر الحلول المادية.

إن الصعوبة ليست في الرمي، وإنما في الظروف النفسية والاجتماعية المصاحبة لها، ذلك أن الحاج يأتي إلى مكان الرمي، وفي ذهنه عدد من المهام التي ينبغي له إنجازها في وقت محدود جدًا، فهو يستحضر أن عليه إتمام رمي الجمرات في مكان مزدحم بالحجاج، ثم الانطلاق سريعًا لأداء طواف الوداع قبل وصول أفواج الحجاج إلى مكة، ثم عليه أن يستعد للمغادرة بكل ما يتطلبه ذلك منه من جهد، كل هذه الصور الذهنية للأعمال المطلوبة تجعله في حالة نفسية خاصة، كالشعور بالتوتر وفقدان الإحساس بالطمأنينة، والخوف من أن يشكل الآخرون حوله عائقًا أمام أداء ما تبقى من المناسك مما يزيد من حالة التأهب الشديد، واستنفار القوة الجسدية لمقاومة العوائق والحماية من الخطر، ولذا يحدث التدافع في اليوم الثاني من أيام التشريق الذي يذهب ضحيته سنويًا أعداد من الحجاج. ومما يزيد من تأثير هذا التدافع أن الكثير من الحجاج يتحركون للرمي بعنف في شكل جماعات كبيرة متماسكة، وكل جماعة تسعى إلى توفير الحماية لأفرادها فقط، والذي يكون في الغالب على حساب غيرها. وعادة لا تتحرك جماعات الحجاج دون تعليمات محددة لأفرادها، مثلًا على الفرد الحاج أن يقاوم كل الظروف التي تحول دون وصوله إلى الهدف أو تتسبب في انفراطه من يد الجماعة التي ينتمي إليها، وهذا بلا شك سوف يحصر الحاج في إطار أهداف جماعته، ويجعل الآخرين حوله مصدر تهديد مما يدفعه إلى التعامل غير المناسب معهم، والذي قد يصل إلى حد العدوان.

وتفاديًا لهذا الوضع النفسي والاجتماعي كان ينبغي على الحاج أن يؤدي النسك بهدوء وسكينة، مع استشعاره لعظمة شعائر الحج، وأن يكون تفكيره في الرمي وليس في المهام اللاحقة، بحيث لا يزدحم ذهنه بتفاصيل أعمال مستقبلية ليس هذا وقتها؛ لأن ذلك سيجعله مندفعًا في سلوكه، وغير متأمل لما يقوم به من مناسك حالية، بل قد يفقده الشعور بالجو الإيماني الذي يغمر لحظات الرمي، ويكون كالذي يصلي، وهو مشغول البال بأمور حياتية مختلفة، مما سيؤثر على أدائه للصلاة وبالتالي تأثيرها على نفسه وروحه. هذا إلى جانب أن التأخر في النزوح من منى إلى مكة - وهو ما يخشاه الحاج- سوف يحدث لا محالة إذا تصرف بهذا الاندفاع والعشوائية، وقد لا يصل إلى مكة أبدًا. كما عليه أن يتأمل التجمع الإسلامي المهيب في الحج، وأن يجدد في نفسه روح الانتماء إلى أمته الإسلامية، وأنه جزء منها وليس مجرد فرد في جماعة انسلت من هذا التجمع الكبير لتُكون لنفسها وضعًا جديدًا لا يأخذ في الاعتبار مصالح من هو خارج هذه الجماعة. وخلاصة القول: إن الحاج يحتاج إلى استعداد نفسي واجتماعي سليم كي يؤدي مناسك الحج بلا ضرر ولا ضرار. ويمكن أن تساهم عدة جهات في تنمية هذا الاستعداد وتهذيبه، وبكل الوسائل الإرشادية المتيسرة، ومن ذلك الاستعانة بمرشدين نفسيين يتولون عملية إرشاد الحجاج ومساعدتهم على تنظيم أفكارهم وسلوكهم، وتبصيرهم بأخطائهم الذهنية التي قد تقودهم إلى مالا تُحمد عقباه.

* باحثة في مرحلة الدكتوراه في تخصص الإرشاد النفسي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت