فهرس الكتاب

الصفحة 3573 من 27345

كُنْتُ قد كتبتُ مقالًا قبل أكثر من عامين حول موقفنا في الأزمات نشرته في (الإسلام اليوم) , ولما عدْتُ لقراءته وربطْتُه مع أزمتنا الحالية في لبنان وفلسطين وجدت أننا لا نحسن فهم أزماتنا، ولا نعتبر بتكرارها علينا، ولا نفقه سنن الله في أحوالها.. المواقف الجماهيرية نفسها والتصريحات الخطابية تُعاد صياغتها, والإعلام العربي يسيّر الناس وفق أهدافه وثاراته, ولا يأبه بتسفيه العقول وجرح القلوب المكلومة من وقع الأحداث عليها.. كم من الأزمات التي مرت بنا، وانقضت بأحمالها كأزمة الجهاد الأفغاني وأزمة الكويت وأحداث الحادي عشر من سبتمبر وحرب العراق وغيرها؟ لماذا لا نقف معها، ونتدارس عبرها ونستلهم فوائدها؟ لقد أخذَت منا تلك الأزمات السالفة جهدًا ووقتًا وعناء، فهل نبخل بوقت يسير لنقف مع دروسها وعبرها احتياطًا من الوقوع في الأخطاء نفسها أو تكرارها في المستقبل ؟!..كلها -للأسف- تذهب وتلقي بها الريح في مكان سحيق!!.. لذا أحببت في هذا المقال الإشارة لهذه الغاية وتفعيل الاهتمام بها من قِبل النخب والمثقفين والمهتمين. ولعلي أفتتح الفكرة ببعض السوانح والتأملات:

1-إن الحديث عن الأزمة بمعناها السياسي أو العسكري هو في العادة حديث الإفاقة بعد صدمة الأزمة.. مع أن الغالب في الأزمات أنها لا تقع فجأة أو تأتي بغتة، بل جرت أحوال العالم كله وسنن التغيير وأحوال الرخاء والشدة والتقدم والتخلف والسلم والحرب أنها تتكون أو تزول من خلال إرهاصات قد يمر بعضها ببطء يشاهده الإنسان ويلحظه.. وقد يأتي بعضها فجأة -كما يُظن - لكنها نتيجة تراكمات من الأسباب الخفية والظاهرة .. فلا تأتي أزمة من هذا القبيل إلا وهناك ما يدل على قرب حدوثها من مقدمات وعلامات، وعلى قدر قوة الاستشعار تأتي قوة الاستعداد .. والواقع يشهد أن كثيرًا من المسلمين لا يحُسون بالأزمة أو يتخيلون تداعياتها حتى تصبح كابوسًا يجثم على صدورهم، ولا ينفع حينها التفكير أو التخطيط.. وهنا تبرز أهمية المراكز العلمية والبحثية التي تستشرف المستقبل، وتنظر إلى الغد القادم عن طريق جمع المعلومات، وإعداد البحوث والدراسات، فيُأخذ برؤيتها ويُنظر بمسبارها إلى واقعنا المتوقع .. ونسأل أنفسنا بصراحة؛ إلى أين نسير؟ وأي طريق نختار؟ وأي عدّة نحمل؟ ومن يقودنا في المرحلة القادمة؟.. إلى غيرها من الأسئلة المحيرة .. والتي تحمل معها إجابات محرجة، لكنها تنقذنا من خيارين قد يكون أحلاهما مرّ: فإما أن نُفجع بسبب الاستسلام للأزمة، وإما أن نفجع في محاولات الخلاص منها.. ولو تأملنا في واقع الدول العربية بحكوماتها ومؤسساتها ومدى اهتمامها بالمستقبل واستشرافه لوجدنا أن المراكز العلمية التي تهتم بمثل هذه الدراسات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة, بينما نجد هناك دولًا كأمريكا مثلًا فيها أكثر من ستمائة مركز لدراسة واستشراف المستقبل, بل إن السويد منذ عام 1973م لديها وزارة للاهتمام بشؤون المستقبل..!

2-عندما تحصل الأزمة تكون هناك ردود أفعال غير عادية بل عادة تكون الرؤى والأقوال والأفعال التي تأتي مع الأزمات متوترة وغير متزنة, لذلك يسعى الإنسان، ويتحفز لسماع أي شيء حول الأزمة، ويزداد نهم الناس للبحث عن الأخبار والمعلومات من أجل صياغة رؤى أو حلول خلاصية.. فيكون المناخ العام للأزمات قابلًا للنمو الفيروسي للإشاعات والأكاذيب أو التوقعات المغرضة، كما يُلحظ اتجاه الناس بقوة نحو القنوات الإعلامية، خصوصًا القنوات الفضائية لجمع الأخبار وروايتها على الأقل في المجالس والمنتديات ..

والناس ينساقون في فلك من يشدّهم من زعامات وقيادات كي تمضي بهم إلى بر الأمان، وتكشف لهم ضبابية الموقف المناسب لظرفهم العصيب, وكل من تصدّر في الأزمة -في العادة- يجد له شرائح واسعة من المؤيدين والمستمعين. وهذا القبول -وإن كان مؤقتًا- إلاّ أن الطبيعة الإنسانية تجعل الفرد يُقبل على من يناديه، و يهفو إلى صوته بغض النظر عن شخصه وخطابه.

وقد جاء في الأثر عن ابن مسعود قوله:"شر الناس في الفتنة كل راكب موضع، وكل خطيب مصقع"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت