د.هيثم مناع
"من ذا الذي يستطيع أن يقول أن المستقبل لم يأت في النفس بعد، إذا كان في النفس توقع المستقبل؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يقول أن الماضي ليس حاضرا، إذا كان في الذاكرة ذكرى الماضي"
أوغستين
ثابت أم متحول، أساسي أم ثانوي، عنصر تقدم أم انكفاء على الذات، معطاء أم مقيد، ديناميكي أم متكلس، فقد شكّل مفهوم الهوية منذ آلاف السنين وحتى اليوم إشكالية غير قابلة للتجاوز في الوضع البشري. الأمر الذي لا يعني بحال عدم القدرة على عقلنة هذه الظاهرة أو تفكيك عناصر تواجدها في المجتمعات البشرية. مفهوم غامض ومعقد ومتشعب برز محركا للتحرر، عامل وحدة للجماعة، وعنصر تمايز وتباعد لها عن الآخر وهميا كان أو حقيقيا. هذا المكون"الثابت"في عتلة التغيير، كان أحيانا المنظم الأساسي لإعادة بناء العلاقات بين البشرية، وأحيان أخرى العائق الأساس أمام مسيرات التحول في تاريخ الأقوام والشعوب.
في واحد من أكثر نصوصه جرأة، يبدأ سيغموند فرويد دراسته"موسى والتوحيد"بالقول:
"أن ننتزع من شعبٍ الإنسان الذي يعتبره خير أبنائه ليست عملية يمكن القيام بها بخفة أو عن طيب خاطر، ولكن لا يمكن اللجوء مهما كانت الحالة لرفض الحقيقة لحساب مصلحة قومية مفترضة، ولنا كل الحق في أن نعتبر كشف جملة الظروف مكسبا لمعارفنا" (1) .
كان فرويد قد توصل إلى فرضية تقول بأن المحرر والمشرع والنبي المرسل لليهود لم يكن من العبرانيين وإنما مصريا. وكان السؤال الرئيسي عند باحث ناقش لسنوات مفهوم التميز والهوية، هل للحقيقة التاريخية أهمية عند الباحث رغم البعد الرمزي والأسطوري الضروري لكل هوية تاريخية؟
في القرن السادس قبل الميلاد، كتب هيرقليطس"لا يسبح الإنسان في مياه النهر مرتين"، لأن كل شيء يتحرك، ليس بالإمكان الحديث عن جواهر خالدة. بعد قرن على ذلك، بدأت معالم الخلاف تتبلور أكثر فأكثر في الفلسفة اليونانية القديمة مع بروز اتجاه يسميه كلود دوبار (2) بالأساسيين. هذا الاتجاه، مهما كان تعريفه أو تصوره للهوية، يعتمد على الإيمان بجواهر،"وقائع أساسية"، مكونات أصلية غير قابلة للنقاش، جوهر سرمدي باستعارة تعبير أفلاطون، حاضر باستمرار أو"كائن"خالص. إن الهوية للكائنات الاختبارية هي ما يبقى كما هو رغم كل المتغيرات. هذه القدرة على البقاء فوق حواجز الزمان وترهات المكان وعواقب الأيام هي التي تمنح التشابه قوة وجودية. التصور الذي يمثله برمنيدس Parmenide بمأثورته « l'etre est, le non-etre n'est pas » ."الكينونة خالدة، وما سواها ليس كذلك".
ستختلف الأسماء والأسباب والمقومات وستبقى هذه العملية التأملية للتمايز والتشابه، العام والخاص، النحن والآخر، العالمية والخصوصية، في صلب التكوينات الثقافية للبشرية. ذلك باعتبارها أكثر من سؤال الهوية لوحده، المؤجج الدائم لإعادة اكتشاف الإنسان لنفسه أفرادا وجماعات.. فكما كان يقول الهراطقة في القرون الوسطى، من يقدم مائة دليل على وجود الله لديه مائة شك.
ليست الغاية هنا كتابة تاريخ"الهويات"، بقدر ما هي استقراء المفهوم ومكانته الخاصة والعامة في الأزمنة الحديثة.
لعبت الشعائر دورا هاما في التمايز الثقافي للجماعات. ورغم أن المسيحية شكلت تراجعا في الشعائر الشرقية في تداخلها مع الوثنية الأوربية وتأسيسها لعالمية الدين وفكرة التقدم، فقد ارتبطت إنسانية الإنسان فيها بالعمادة لا بالولادة. الأمر الذي نجده عند العديد من المعتقدات الإحيائية في إفريقيا التي جعلت من وشمها الخاص بطاقة هوية تزرعها على الجسد.. الرغبة في شعيرة متميزة رافقت السيرورة الدائمة للاختلاط الطوعي أو الإكراهي الذي جعل من كل نقاء عرقي أو قبلي أو إثني مجرد أسطورة جميلة يرويها الآباء للأبناء. بهذا المعنى، لم تكن الهوية بنية مغلقة سكونية ثابتة، بل لم يكن بوسع أية جماعة أن تنتمي للعالم دون أن يتغلغل العالم في مقوماتها الداخلية وأن تدغدغ فضوله ببعض الخصائص الخلاقة في وجودها. لعل من الأمثلة الأكثر بلاغة في التاريخ لعملية غسل الدم الدائمة للهوية، التجربة الإسلامية. فقد تحولت من دعوة دينية إلى دولة- مدينة إلى إمبراطورية إلى دين كوني. ذلك بتعبيرات دينية هنا ودنيوية هناك، عبر عمليات انصهار واندماج دائمة في الثقافة والحياة. عمليات ولاء وانتماء وتزاوج وتداخل، كان العنصر المشترك الأساسي بينها المرونة والقدرة على إعادة تمثل صورة الذات، على الأقل في القرون الأربعة الأولى.
الكرامة الجديدة!