سورة القلم (3)
الجمعة 29 من شعبان 1395هـ5 من أيلول 1975 الحلقة الثامنة
العلامة محمود مشّوح
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله جل وعلا بعد الآيات التي تلوتها في الجمعة الماضية:
)إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنّها مصبحين ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين، فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حردٍ قادرين فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبّحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنّا طاغين. عسى ربّنا أن يبدلنا خيرًا منها، إنا إلى ربنا راغبون. كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون(.
هذه الآيات تليت على مسامع النبي صلى الله عليه وسلم فأدرك معناها، وتلاها النبي صلى الله عليه وسلم على مسامع المسلمين فعرفوا مراد الله منها، وتلاها على المشركين من أهل مكة فكانت استجابة المشركين على المعهود من جميع المعاندين والفاسقين قلما يتفطن الإنسان إلى مكامن الخطر، وهو ينعم في بحبوبة العيش ورغد الحياة، قلما يستطيع الإنسان أن يستشف نذر الخطر وهو يشعر بالدعة وبالأمن وبالطمأنينة.
ساق الله لأهل مكة المعاندين هذه القصة التي أفترض أنها كانت معروفة ومتداولة بين العرب، قصة رجل له جنة أي بستان فيه من الأثمار وفيه من المحاصيل الشيء الكثير، وكان صاحب الجنة رجلًا صالحًا عارفًا بحق المجتمع عليه، فكان إذا حضر الحصاد أو صرام النخل أو جني الثمر عرف للفقراء حقهم في نعمة الله التي ابتلاه بها فيأخذ من ثمر الجنة ثم يترك للمساكين سائر ما تبقّى، ومضى ذلك دأبه ما يأتي موسم جني وحصاد إلا يدع للمساكين نصيبًا معلومًا ومجزيًا فكان بعمله هذا قرير العين راضي النفس مطمئن القلب إلى أنه يعطي حق الله جل وعلا لعباد الله وخير الناس أنفع الناس لعباد الله، وكان الفقراء معه كذلك شاكرين ممتنين يدعون له بالنماء والبركة.
ولما حضرته الوفاة استعجل وراثه وضع أيديهم على تركة أبيهم ولكنهم كانوا طرازًا آخر كانوا من الذين يعتدون ويظلمون، وكانوا من الذين يجمعون ويكنزون، وكانوا من الذين يذكرون أنفسهم وينسون عباد الله فما إن انتقل أبوهم ومورثهم إلى جوار ربه حتى انطلقوا نحو الجنة نحو البستان يريدون أن يجنوا ثمره وأن يجمعوا محصوله في عتمة الليل قبل أن يفطن المساكين والفقراء إلى همهم وإلى نيتهم فيلحقوا بهم.
ليلًا يذهبون إلى الجنة ويبالغون في إخفاء مرادهم فهم يتحدثون وهم منطلقون نحو الجنة ولكن لا حديث الجهر المنبعث عن الأمن والاطمئنان ولكن حديث السر والمخافتة المنبعث عن الريبة وعدم الرغبة في إعلام الفقراء بمسيرهم إلى الجنة، فانطلقوا وهم يتخافتون أي يهمس بعضهم لبعض بماذا يتخافتون بماذا يهمسون أن لا يدخلنّها اليوم عليهم مسكين، وفائدة النص بقوله جل وعلا -اليوم- أن لا يدخلنها -اليوم- للتفريق بين نيتين وهمَّين وإرادتين، بين نمطين من السلوك نمط الأب الذي كان يجمع المحصول نهارًا ويبعث في طلب الفقراء والمعوزين والمساكين ليشتركوا معه في جني خيرات الله جل وعلا التي بثها على الأرض بلاءً ومحنة واختبارًا ليبلو الناس أيشكرون أم يكفرون.
(ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني حميد)
هَمُّ الوالد ونيته شيء، وهمُّ ورثته.. أبنائه.. شيء آخر..
هنا اليوم- اختلف الحال وتبدلت النوايا وأصبح هناك خاطر متعمد هو خاطر العدوان على حق المجتمع في الثروات الموضوعة بين أيدي الناس ماذا كانت العواقب؟
(فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد قادرين) الحرد بقطع النظر عن بعض التأويلات التي لا تساعد عليها حقائق اللغة ولا يؤازرها السياق.. الحرد: في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو أشد المنع وأعنفه وأغلظه وأقساه؛ (غدوا على حرد قادرين) امتلؤوا، امتلأت نفوسهم وقلوبهم، بهذه النية الخبيثة نية منع الفقراء حقوقهم التي قررها لهم الباري جل وعلا في الأموال التي بين أيدي الناس.