فهرس الكتاب

الصفحة 25972 من 27345

هل الإسلام هو الحلّ ؟!

د.عدنان علي رضا النحوي

يبدو أنَّ عالمنا اليوم عالم الشعارات ، الشعارات التي تدوِّي بها وسائل الإعلام الواسعة المتنوّعة ، وتُخْفي في كثير من الأحيان مضمونها الحقيقي وجوهر رسالتها ، فتثير في الناس عاطفة هائجة ، أو تتركهم حيارى بين ظنٍّ ووهمٍ ، أو تدفعهم إلى مزالق لا يدركون خطرها إلا بعد فوات الفرصة .

ويدور الصراع بين الشعارات ، ويحتدُّ الصراع وقد تطور ، ولكل شعار رجاله أو شعوبه . فلا يعود هناك فرصة لتأمَّل وتدبّر ، ولا لدراسة وتبيّن ، ولا محاولة لدخول أعماق هذا الشعار أو ذاك ، أو حقيقة محتواه من حقٍّ أو باطل .

السؤال الذي يجب أن يقف الإنسان عنده هو: هل يريد الحقَّ أم يريد الانسياق وراء مصالح خاصة مادية أو وراء نزوات عاطفيةٍ ، أو حميّة جاهليَّة لقرابة أو قومية ، أو تبعيَّة يُخَدَّر فيها الإنسان ، ويُخدَّر كثير من الناس ؟!

إنَّ هذه الحياة الدنيا فيها حقٌّ وباطلٌ ، ولقد يسَّر الله لعباده كلَّ وسائل معرفة الحق حتى لا يعود هناك عذر لأحد في ضلالة . وجعل الله سبحانه وتعالى هذه الحياة الدنيا دار ابتلاء وتمحيص ، لتقوم الحجة على كلِّ إنسان يوم القيامة أو تقوم له ، لينال كلُّ إنسان حسابه على موازين قسط في الدار الآخرة لا ظلم فيها أبدًا ، فإمَّا إلى جنَّة وإمَّا إلى نار ، حيث هناك دار القرار ، دار الخلود والحياة الحقيقية .

لن تُغْنيَ الشعارات إذا أَضلّت الناس وأَخْفت الحقِّ الذي تقوم عليه السموات والأرض ، وخدَّرت الناسَ وأفقدتهم القدرة على الرؤية العادلة ، والتفكير الأمين ، والتمييز بين الحق والباطل .

لا بدَّ أن نقرّر حقائق أساسية في هذا الكون وهذه الحياة الدنيا ، حتى يستقيم تفكيرنا على نهج إيمانيّ . إنَّ لهذا الكون كلّه ربًَّا واحدًا وإلهًا واحدًا هو الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى كلها ، خالق كلِّ شيء ، يُدبّر الأمر كله ، وله الأمر كله ، يمضي الكون كله على سنن لله ثابتة رحمةً منه سبحانه وتعالى ، بقضاء نافذ وقدر غالب وحكمة بالغة . وقد بعث الله لعباده رسلًا مبشَّرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، وقد غرس الله الإيمان في الفطرة السليمة السويَّة ، وجعل آياته مبثوثة في الكون كله ، آيات بيّنات في أنفسنا ، وفي الأرض ، وفي السماء ، ليراها كلُّ ذي بصيرة وهبها الله له ، لا تُفقد البصيرة إلا فسدت الفطرة وغلبت الأهواء والشهوات والنزعات الجاهليَّة .

وبعث الله الرسل والأنبياء رحمة منه بعباده ، وهداية لهم ، وتذكيرًا وبشرى ونذيرًا ! فلا يُعقل أبدًا أن يبعث الله رسله بديانات مختلفة يتصارع الناس عليها فيضلّون ويأثمون . فقد بعثَ الله جميع رسله وأنبيائه بدين واحد فقط هو الإسلام ، دين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجميع الرسل والأنبياء عليهم السلام الذين خُتِموا بمحمد r . نعم ! كان هناك رسالات تجتمع كلها في الدين الواحد . وتعدَّدت الرسالات رحمة الله من الله بعباده ، حيث كان يُبْعث كلُّ نبيٍّ إلى قومه خاصَّة ، فبعث الله في كلِّ أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، وجعل مع التوحيد شرائع لذلك القوم في ذلك الزمن ، وختمهم بمحمد r برسالة جامعة خاتمة:

(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) [النحل: 36 ]

هذه هي الحقيقة الواضحة البيّنة التي لا بدَّ أن يؤمن بها كلُّ ذي لبٍّ ونقاء وصفاء ، بعيدًا عن الأهواء والشهوات . فإذا لم تستقرَّ هذه الحقيقة المقنعة فمن العبث بعد ذلك أن يدور أيّ حوار أو بحث .

الله واحد لا شريك له ، فالدين إذًا واحدًا . فلا يُعقل أن يبعث لعباده بديانات مختلفة تتصارع ، ولا يُعْقل أن يكذب الرسل على ربِّهم . ولا على الذين يبلغونهم، ولا على أحد من الناس . ولا بدَّ أن تنتهي الرسالات برسالة جامعة شاملة مصدّقة لما قبلها ومهيمنة عليها لتُخْتم بها الرسالاتُ كلُّها رحمة من الله بعباده ، رحمة وسعت كلّ شيء ، وعدلًا منه وهدى:

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) [ المائدة: 48 ]

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) [ البقرة: 285]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت