ظلال حليمة
منذ أسبوع وأنا على فراشي أتألم من وجع المرض الذي قدر الله تعالى أن يصيبني به، واليوم لقد تضاعفت علي الآلام .. أرقد وأستيقظ .. وعندما استيقظت رأيت جميع أفراد عائلتي واقفين حولي وفوق رأسي .. ينظرون إلي نظرة مودع لا لقاء بعده .. كانت أمي تبكي كثيرًا .. وأبي كان حزينًا جدًا يُغالب دمعه ليمنعه .. كان أبي يكرر علي السؤال:"هل تريدين شيئًا يا ابنتي نور الهدى؟"وكنت أجيبه:"دعواتك يا أبتي"!
تذكرت أن الطبيب أخبرني قبل ثلاثة أيام بأن مرضي لن يمهلني طويلًا .. حالتي قد استعصت على الدواء .. لذا علي أن أعد العدة للرحيل والحساب ..!
كانت مسبحتي لا تفارق يدي .. أواصل التسبيح والتكبير والتهليل والاستغفار .. فجأة اشتد علي الوجع .. بدأت بالأنين .. والعرق يتصبب مني بشدة .. عرفت حينها أن سكرة الموت قد دنت {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ} .
تذكرت فضل من كان آخر كلامه لا إله إلا الله .. بدأت أجمع قواي لأنطق بتلك الكلمة المباركة؛ كلمة التوحيد التي عشت لأجلها وسوف أموت عليها بإذن الله .. بدأت أحاول وأغالب الآلام:"لا، لا، لا إله إلا .."كان العرق يتصبب من على وجهي وفمي .. وعيناي تحولقان، أحسست كأن أحدًا يعصر رقبتي .. لقد ازداد الألم .. وضعفت الأنفاس .. لكن يجب أن أنطق بتلك الكلمة المباركة قبل أن أموت .. إنها فرصتي التي لن تتكرر!
كان بجواري رجل يلقني شهادة التوحيد .. نعم هذا صوت والدي الحبيب:"ابنتي نور الهدى قولي:"لا إله إلا الله"."
أنا:"لا إله إلا .."حاولت مرة أخرى .. وكررت المحاولة إلى أن أعانني الله على النطق بها: لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله .. الحمد لله ها أنذا لساني ينطق بالتوحيد .. لا إله إلا الله، بها نحيا، وعليها نموت، وبها نلقى الله .. صرت أكررها مرارًا وتكرارًا .. ثم فتحت عيناي .. نظرت حولي .. نظرت إلى أهلي .. نظرت إلى غرفتي .. نظرت إلى خارج النافذة .. نظرت إلى الدنيا .. وداعًا يا دنيا وداعًا!
أنا منك يا دنيا بريء *** أنت يا دنيا ابتلاء
وداعًا يا دنيا وداعًا .. يا من فتنتي الكثير من الناس بزينتك الزائفة .. وداعًا يا غدارة، وداعًا يا غرارة .. وداعًا يا دار الشقاء والبلاء .. أنا الآن ذاهبة إلى ربي .. فكم أحببت لقاءك يا حبيبي يا الله ..!
سمعت صوتًا من أسفل مني، يقول لي:"أما والله لقد كنتِ من أحب الذين يمشون على ظهري، فأنت الآن أحب إلي في بطني"!
ثم جاء إلي رجل حسن الهيئة، وقال لي:"يا نور الهدى أبشري برضى الله عليكِ، يا أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان".
عرفت أنه ملك الموت يريد أن يقبض روحي .. لم أكن خائفة منه .. لأني كنت أعلم أنه صديق للمؤمنين .. رفيق بهم .. ثم هو عبد لله .. مأمور .. لا يستطيع أن يفعل شيئًا إلا بإذن ومشيئة حبيبي الله ..!
قبل أن تخرج الروح .. قاسيت سكرات الموت المؤلمة والقاسية .. سمعت صوت أمي تناديني بصوت حزين .. إني أسمعها جيدًا لكن لا أستطيع أن أرد عليها .. فتحت عيناي ونظرت إلى أبي وأمي نظرة مودع .. أريد أن أبشرهم بأن الله راضٍ عني .. وماذا قال لي ملك الموت .. لكن لم أستطع أن أنطق بشيء .. شفتاي لم تعد تقوى على الحركة .. تسارعت دقات قلبي إلى أن توقف .. وبلغت الروح الحلقوم {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} . ثم خرجت راجعة آيبة مطمئنة إلى خالقها: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبَادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي} .
أنا الآن في عداد الأموات، لا أرى، لا أتكلم، ولا أتنفس ..جثة بلا روح .. همي القبر؛ أخذت أفكر كيف سأدفن في التراب، أفكر بوحشة القبر .. بظلمته .. بضمته .. بضيقه .. بالدود الذي يأكل الأجساد .. بسؤال الملكين .. اللهم ارحمني.
القبر أبكى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وأبكى أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين .. وهم هم .. وأنا من أنا؟!
تذكرت قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"القبر أول منازل الآخرة، فإن ينج منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه". وتذكرت كذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-:"ما رأيت منظرًا إلا والقبر أفظع منه".
ولكني كنت مطمئنة، لأن ملك الموت بشرني بأن الله يحبني وهو راضٍ عني .. فلماذا الخوف؟!
يحملني الناس على خشبات إلى المقبرة .. إلى قبري المظلم .. اللهم اجعله روضة من رياض الجنة .. وأنت وحدك القادر على ذلك.