وأنا في الطريق إلى المقبرة تذكرت أني في حياتي الدنيا كنت قد قرأت حديثًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر فيه عن العبد الصالح أو الأمة الصالحة في القبر:"فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان:"من ربك؟"فيقول:"ربي الله"فيقولان:"ما دينك؟"فيقول:"ديني الإسلام"فيقولان:"ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟"فيقول:"هو رسول الله"فيقولان:"ما يدريك؟"فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته، فينادي منادٍ من السماء: أن قد صدق عبدي فافرشوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره".
عندما تذكرت هذا الحديث شعرت بسعادة لا توصف .. بدأت أصرخ وأقول لمن يحمل نعشي:"قدموني قدموني .. قدموني قدموني"، لكن لم يسمعني أحد منهم.
وصلوا إلى المقبرة، وأنزلوا نعشي عن أكتافهم:
وأنزلوني إلى قبري على *** مهلٍ وقدموا واحدًا منهم يلحدني
وكشف الثوب عن وجهي لينظرني *** وأسبل الدمع من عينيه أغرقني
فقام محترمًا بالعزم مشتملًا *** وصفف اللبن من فوقٍ وفارقني
أنا وحيدة الآن في قبري .. ليس معي إلا عملي .. أسمع قرع نعال الناس وهم ذاهبون .. آه يا أهلي ستتركوني وحدي الآن .. مللتم الانتظار قليلًا على قبري .. أما علمتم أني الآن أُسأل .. هلاّ دعوتم الله لي؟!
يا لظلمة المكان وضيقه .. تذكرت في الدنيا الفانية غرفتي الواسعة .. وتذكرت ألوانها المتناسقة .. وأنا الآن في هذا القبر الضيق المظلم المخيف!
شعرت بالخوف من ظلمة المكان ووحشته .. لكن ليس كثيرًا لأني كنت متأكدة بأن الله راضٍ عني .. وهو يحبني وأنا أحبه .. ولن ينساني وسوف يثبتني على الإيمان والقول الثابت: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} .
فجأة جاء ملكان أسودان أزرقان .. أنا أعرفهما .. كان والدي يكلمني عنهما في الحياة الدنيا كثيرًا .. إنهما المُنكِرُ والنَّكير .. شكلهما مخيف، لكنهما لم يخفنني؛ لأني مؤمنة بالله .. وهما عبدان مأموران لا يستطيعان أن يفعلا بي شيئًا إلا بإذن الله!
أقعداني الملكان وسألاني:"من ربكِ؟"
أنا (بكل ثقة وثبات) :"ربي الله"
المُنكر والنَّكير:"ما دينك؟"
أنا:"ديني الإسلام"
المُنكِر والنكير:"ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟"
أنا:"هو رسول الله"
ثم سمعت صوتًا من السماء ينادي:"قد صدقت أَمتي فافرشوا لها من الجنة وافتحوا لها بابًا إلى الجنة"فأتاني من روحها وطيبها وفسح لي في قبري مد بصري!
عندما سمعت هذا النداء من السماء، ورأيت الذي رأيت .. فرحت جدًا وشعرت بسعادة لا توصف .. لقد فزت .. فزت بالجنة .. ياله من فوز عظيم!
الحمد لله .. لقد عبدت الله وحده .. وجاهدت طوال حياتي لأسمع هذه الكلمات الجميلة .. لأفوز برضوان الله وجنانه .. هذه كانت أمنيتي في الحياة الدنيا والله تعالى قد حققها لي وأعطاني ما أريد.
رأيت من جمال الجنة ونعيمها وأنهارها ما لم أره في حياتي من قبل، ولم أسمع به، ولم يكن ليخطر على بالي .. رأيت غرس الأشجار آثار تسبيحي .. رأيت أنهرًا في الجنة من لبن وخمر وعسل .. رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا .. رب أقم الساعة .. رب أقم الساعة {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} .
المُنكِر والنكير:"نامي يا نور الهدى"!
أنا والبسمة على وجهي وعلامات اللهفة من شدة الفرح:"وكيف أنام .. دعوني أرجع إلى أهلي فأخبرهم"!
المُنكِر والنَّكير:"نامي كنومة العروس، التي لا يوقظها إلا أحب أهلها إليها"!
وأنا في مقامي البرزخي هذا تذكرت بعض أحوالي التي كنت عليها في الحياة الدنيا .. تذكرت صلاتي، وصومي، وتلاوتي لكتاب الله .. تذكرت بُعدي وهجري لقرينات السوء .. تذكرت التزامي بالحجاب الذي أمرني الله به .. تذكرت أذى بعض الناس لي وهم يصفونني بالمتشددة والمتزمتة .. وصبري عليهم .. وما ذلك إلا لأني من أهل الحجاب والاستقامة .. نِعم التشدد الذي كنت عليه إذا كانت نتيجته هذا الذي أنا فيه من النعيم والرضوان .. كم كانت مصيبتي عظيمة لو أني أطعت قرينات السوء في الابتعاد عن ديني وحجابي، وعبادتي لله تعالى وحده .. اللهم لك الحمد أن هديتني وثبتني على صراطك المستقيم.
إليكم أيها الأحياء أبعث هذه الرسالة من قبري:
هل تودون أن تفوزوا كما فزت ..؟ إذا كان الجواب نعم فعليكم أن تصلحوا حالكم عاجلًا مع الله .. يجب عليكم أن تجاهدوا الشيطان قدر الاستطاعة .. وأن تتقوا الله ما استطعتم .. لا تغرنكم الحياة الدنيا .. ازهدوا بالدنيا .. عليكم بعبادة الله تعالى وحده .. والكفر بالطواغيت .. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا ..!
إليك يا أيها الغافل والغافلة: إلى متى هذه الغفلة والتواني .. والتسويف .. وترك العمل .. راقبوا الله في الخلوات ولا يغرنكم طول الأمل!
وإليك يا أيها اللاهي بشهوات الدنيا المتسمن: