بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
طاقة التفكير طاقة عملية بصورة مستمرّة لا تتوقف، وتمضي على سنن ربّانية، قد ندرك بعضها ونجهل الكثير منها حتى اليوم . ويمرّ تفكير الإنسان وطاقته الفكرية بمراحل منذ ولادته حتى وفاته، من خلال نموّه وطاقاته المختلفة، ونموّ جهازه العصبي، وتزايد تفاعله مع ما حوله من بيئة ومجتمع وكون.
ومن سنن الله الثابتة أن المسؤولية التي يُحاسِب الله عباده عليها تنمو مع نموّ الطاقة الفكرية وسائر الطاقات، أو مع نموّ الوسع الصادق الذي وهبه الله للإنسان.
ونودّ أن نقسّم مراحل التفكير من حيث المبدأ إلى ثلاث مراحل كلّ مرحلة تمثّل حالة من حالات نموّ الطاقة الفكرية والمسؤولية. وهذه المراحل الثلاث هي:
أ ـ مرحلة التفكير الفطري: من الولادة حتى السنة الرابعة من العمر.
ب ـ مرحلة تفكير الطفولة: من السنة الرابعة حتى البلوغ.
ج ـ مرحلة التفكير المسؤول: من البلوغ حتى بقية العمر.
أ ـ مرحلة التفكير الفطري:
هي المرحلة التي تبدأ مع ولادة الطفل، حيث يولد كلّ إنسان على الفطرة، والفطرة هي المستودع الذي أودع الله فيه أسرار الوسع والطاقة في الإنسان.
في هذه المرحلة ينحصر دور الطفل نفسه بالتلقّي أو التأثّر، دون أن يكون مسؤولًا مسؤولية واعية عن الانتقاء والاختيار، والقبول أو الرفض ويستمرّ النموّ دون توقف، فالنموّ عملية ماضية ممتدة.
ونعتبر على ضوء ذلك أن التفكير الفطري يمتدّ من الولادة حتى السنة الرابعة، حين يُعرب لسان الطفل، بعد أن يكون قد تلقّى اللغة والكلام والمشي والعادات وأشياء أخرى.
مرحلة التفكير الفطري مرحلة تغلب قوى الفطرة فيها ماعداها من القوى المؤثّرة من البيئة والمجتمع والحياة، ويظل التلقي ممتدًا حتى يكوّن مع قوى الفطرة الأساس الذي تُبْنى عليه المرحلة التالية، وهي مرحلة تفكير الطفولة، المرحلة التي عندها يبدأ الطفل يعرب عن نفسه.
ب ـ مرحلة تفكير الطفولة:
هي المرحلة التي يكون الطفل قد أخذ زادًا كافيًا من حيث المبدأ حتى يقوى التفاعل في داخل الفطرة بين قوى الفطرة ذاتها من ناحية، وبينها وبين ما تتلقاه من خارجها من ناحية أخرى.
في هذه المرحلة يكون إدراك الطفل قد اتسع، وقدرته على التلقي نمت، وتبدأ تبرز قدرات إيجابية شيئًا فشيئًا. ومن هذه القدرات وأبرزها قدرته على الإعراب عن نفسه. ولكنّه يظلّ من حيث المسؤولية الشرعية لا يتحملها، وإنما تنمو قدراته لتمهّد لمرحلة المسؤولية التي لا بدّ منها والتي هي الغاية من حياة الإنسان في الدنيا، وهي المرحلة التي تلي هذه المرحلة.
وفي هذه المرحلة يكون الطفل قد أخذ زادين هامين جدًا بالنسبة للتفكير، هما: اللغة العربية الصحيحة، وشرح مبسّط للإيمان والتوحيد من خلال الآيات والسور القصيرة من القرآن الكريم والأحاديث التي يحفظها ويعيها وتُشرح له معانيها.
في هذه المرحلة تتفاعل جميع القوى الداخلية والخارجية المؤثرة في بناء التفكير ومنهج الفطرة، الأسرة والبيت والوالدان، والأرحام، المسجد، المدرسة، المجتمع وغير ذلك. وتصبّ هذه القوى المؤثّرة زادَها في كيان الطفل ونفسه وفطرته وينشط التفاعل بينها حتى توفر ما نسميّه"قدرة المسؤولية". والمسؤولية التي نعنيها هنا هي المسؤولية بين يدي الله يوم الحساب حين تقام الموازين القسط. في هذه المرحلة يجب أن تستقرّ في فطرة الطفل أسس بناء النهج الإيماني للتفكير.
أما المسؤولية في الدنيا فتبتدئ قبل ذلك، حين يكون الطفل قد بلغ درجة من إدراك بعض الأمور ليعرف الصواب من الخطأ. فعندما يخطئ الطفل يوجّه وينصح ويعلّم، أو يعاقب على حسب الحالة. ومن خلال الخطأ والصواب يُعلّم كيف يفكّر.
ج ـ مرحلة التفكير المسؤول:
وهي المرحلة التي تبدأ بسنّ البلوغ أو الخامسة عشرة في معظم الأحيان وهي السنّ التي تبدأ بها المسؤوليّة الشرعية في الدنيا وفي الآخرة. وبعضهم يعتبرها تبدأ من الثامنة عشرة تأثّرًا بأجواء الحياة العصريّة واعتبارًا لجزء واحد من المسؤولية هي المسؤولية في الدنيا.
في هذه المرحلة يكون الطفل قد استكمل من الزاد ما يفرض عليه تحمل المسؤولية. من حيث الإيمان والتوحيد، واللغة العربية الصحيحة، والكتاب والسنة، وتدرّب على ممارسة بعض القضايا الإيمانية. وإذا نظرنا إلى أجيال المسلمين أيام النبوّة الخاتمة والخلفاء الراشدين لوجدنا أن المسؤولية كانت تبتدئ مع هذا السنّ من البلوغ.
ففي معركة:"بني قريظة"كان يُقتل منهم كلُّ من أنبت. وفي معركة بدر ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقَبِلُه مقاتلًا في معركة أُحد بعد ذلك بسنة.
وفي قوله تعالى:
( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم … )
[ النور: 59 ]