فهرس الكتاب

الصفحة 23181 من 27345

وعلى كلّ حال فإن مرحلة التفكير المسؤول تبتدئ مع بداية المسؤولية الشرعية. وتشمل المسؤولية هنا في هذه المرحلة المسؤولية في الدنيا والآخرة، المسؤولية عن النيّة والتفكير والعمل والكلمة.

فإذا قامت التربية الإيمانية بواجبها في كلّ مرحلة، فإن أسس النهج الإيماني للتفكير تكون قد استقرّت في الفطرة، وأصبحت قادرة على توجيه التفاعل بين مختلف العوامل المؤثرة في النهج، حتى ينطلق النهج الإيماني على صراط مستقيم ممتدّ مع الحياة.

1ـ مراحل التفكير من حيث الإيمان والتوحيد والموقف منهما:

غرس الله الإيمان والتوحيد في فطرة الإنسان وسهّل له سبل التمسّك بهما والتزامهما، فجعل آياته المبثوثة في الكون دالة عليه، وكذلك في أحداث الحياة والتاريخ، ثمّ بعث الأنبياء والمرسلين على مدى التاريخ البشريّ وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلّم وبالقرآن الكريم وسنة النبي الخاتم.

ويمضي الإنسان في حياته على إيمان وفطرة حتى تبلغه رسالة الأنبياء والمرسلين، إلا إذا فسدت الفطرة، وتعطلت القوى الحقيقية للتفكير وعميت البصيرة، فلم تعد ترى أو تدرك الحقيقة الكبرى في الحياة، والقضية الأخطر والأكبر في حياة كلّ إنسان.

الإيمان في هذه المرحلة هو إيمان الفطرة. وقد جعل الله برحمته فطرة الإنسان السليمة قادرة على تلقّي الدلالة من آيات الله المبثوثة في الكون و على تلقّي رسالة الأنبياء. وكلما سلمت الفطرة كان التلقّي أيسر وأسرع وإذا تسلّل الفساد للفطرة تبدأ الصعوبة في تلقّي هذه الرسالة من الآيات المبثوثة في الكون ومن الأنبياء والمرسلين. ويمكن أن تقسّم مراحل الإيمان والتوحيد والتفكير الذي يمضي معه ويُبْنى عليه إلى ثلاث مراحل نوجزها كما يلي:

أ ـ مرحلة الإيمان الفطريّ والتفكير الفطري:

وهي كما ذكرنا تكون الفطرة والإيمان المغروس فيها هو العامل الأول. ويشتدّ أثر هذا العامل بصفاء الفطرة ونقائها وسلامتها، ويضعف بضعفها وفسادها.

ب ـ مرحلة التأمل والنظر:

إنها المرحلة التي تدفع إليها المرحلة السابقة ـ مرحلة الإيمان والتفكير الفطري ـ إن الفطرة السليمة تدفع الإنسان إلى أن يتأمل فيما حوله ويتفكّر، وينظر ويتدبّر.

( إن في خلق السّموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السموات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلًا سُبحانك فقنا عذاب النّار )

[ آل عمران: 190-191 ]

إن القرآن الكريم يلحُّ بهذه القضيّة إلحاحًا كبيرًا، لتكون باب إيمان وتوحيد، أو باب حماية للإيمان والتوحيد وتنمية له:

(أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشدَّ قوّةً وآثارًا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون )

[ غافر: 82 ]

وهكذا يستمرّ عرض آيات الله عرضًا جليًّا حتى لا يحقّ لأحد معه أن ينكر هذه الآيات:

( ويريكم آياته فأيَّ آيات تُنكرون )

[ غافر: 81 ]

ج ـ مرحلة إيمان التكاليف والمسؤولية:

إنها مرحلة التفكير واتخاذ القرار وتحمّل المسؤولية. إن مرحلة الإيمان الفطري تدفع الإنسان إلى المرحلة الثانية ـ مرحلة التأمل والتفكر، والمرحلة الثانية هذه تدفع إلى مرحلة التفكّر الإيماني المنهجيّ المسؤول الذي يصاحبه القرار، ما دامت الفطرة سليمة لم تفسدها الآثام والمعاصي، والفتنة والفجور. أما إذا فسدت الفطرة فينحرف التفكير عن النهج الإيماني إلى الكفر والإلحاد. فإذا اتخذ قرارًا بذلك فإنه يتحمّل مسؤولية القرار سواء أكان القرار بالإيمان وتبعاته ومسؤولياته، أم بالكفر وفتنته وعذابه في الآخرة. ولنستمع إلى الآيات من سورة الكهف تعرض هذه المرحلة بوجهيها:

( وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سُرادقها وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمُهْل يشوي الوجوه بئس الشّراب وساءت مرتفقا. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نُضيع أجرَ من أحسن عملًا. أولئك لهم جنّات عدن تجري من تحتهم الأنهار يُحلّون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابًا خُضرًا من سُندس وإستبرق مُتّكئين فيها على الأرائك نعم الثّواب وحسنت مُرتفقا )

[ الكهف: 29-31 ]

"وقل الحقّ من ربّكم …"! أمرٌ من الله لرسوله ليبلغ الرسالة فَيَعيها ويؤمن بها وينهض لتكاليفها كلُّ من سلمت فطرته، فيهديه الله. وأما من فسدت فطرته فينحرف إلى الكفر. ثم تذكر الآيات نتيجة كلّ قرار، القرار الذي يتخذه من آمن فهداه الله فالتزم، والقرار الذي اتخذه من انحرف وأضلّه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت