الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد،،،
فإن أمتنا هذه، أمةٌ أبيَّةٌ، لا ترضى الذل والهوان، إنها أمةٌ تقاوم الذي يريد الاعتداء على مقدساتها وعقيدتها، إن هذه الأمة فيها خيرٌ عظيم، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ] رواه الترمذي وأحمد، وقال الحافظ: حديث حسن .
فالخير باقٍ في هذه الأمة، كما كان من أولها، فكما أن الدين كان محتاجًا إلى أول هذه الأمة لإبلاغه، وكذلك هو محتاجٌ إلى القائمين به في آخر هذه الأمة، والفضل للمتقدم قطعًاَ.
قال شيخ الإسلام: ومعنى الحديث: أنه يكون في آخر الأمة من يقارب أولهم في الفضل، وإن لم يكن منهم، حتى يشتبه على الناظر أيهما أفضل؛ وذلك لأنه قال: [...لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ] . ومن المعلوم أن الله يعلم، أيهما خير، وهذا فيه بشارةٌ عظيمةٌ لنا، بأن الخير موجودٌ في هذه الأمة، إلى قيام الساعة، ألا ترى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ] رواه مسلم. فهذه الطائفة المنصورة باقية إلى قيام الساعة، تنافح عن دين الأمة.. عن عقيدتها..عن شريعتها..عن أحكام ربها..عن مقدساتها، بالسنان واللسان، لا يضرهم من خالفهم، حتى تقوم الساعة .
هذه الأمة لا يزال الله يغرس فيها غرسًا إلى يوم القيامة، يظهر فيها من يظهر دينه:
قال عليه الصلاة والسلام: [ لَا يَزَالُ اللَّهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ] رواه ابن ماجة وأحمد، حديث صحيح .
وقال: [إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا] رواه أبوداود، حديث صحيح .
يحيي ما درس من الكتاب والسنة، يدافع وينافح، يبين الحق ويظهره، يرد على أهل البدعة، يرد على أعداء الدين، وهكذا ظهر في الأمة عمالقةٌ وجبال، كلما مات سيدٌ قام سيدٌ، وهكذا يتوالون، والحمد لله بلا انقطاع، وأنت ترى في هذا الزمان، ولله الحمد، من لا يزال ينافح عن الدين، يرد على الأعداء، ويصد كيدهم، إن الإسلام كالشمس، إن غربت من جهةٍٍ طلعت من أخرى، فلا تزال طالعة، وهذه الأمة، قادرة على الدفاع عن دينها:
إنهم يعملون بلا هوان: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [139] } [سورة آل عمران] .
إنهم يشعرون بالعزة، التي تولدها فيهم هذا العقيدة:...وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ... [8] } [سورة المنافقون] .
يستعلون على أعدائهم، ويستمدون من العلي سبحانه وتعالى، علوهم على غيرهم من أهل الأرض.
فأهل الحق ظاهرون على من ناوأهم، يكبتون من عاداهم، ويسكتون من أراد أن يخرج على دينهم، وكلما ظهرت بادرة من بوادر الشر، قام لها واحدٌ يتصدى فأكثر من المسلمين، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشروكون، والكافرون، وعندما ظهرت فرق أهل الشرك في هذه الأمة، قام أهل العلم بالرد عليهم، وقامت الحركات التجديدية، وقام أهل الجهاد في هذه الأمة بالصد والرد, وهكذا تتوالى حلق الصراع بين الحق والباطل، وكل كيد الأعداء، في ظلال:وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [23] } [سورة الفرقان] .
إن روح المقاومة في هذه الأمة، فعلًا روحٌ عجيبة، تدعو للإعجاب والفخر:
لقد قامت الشيوعية، والقومية، والاشتراكية، والوجودية، وأنواع الإلحاد، والحداثة، وقيض الله في هذه الأمة، من يقوم بالرد عليهم، وبيان كفرهم، وصريح باطلهم، ولم يكن الأمر خاصًَّا بالعلماء، بل من طلبة العلم والدعاة، بل من عامة الناس، يرفضون الأجنبي عن هذه العقيدة، وكل ما هو أجنبي عن هذا الدين، فالله سبحانه خلق البشر، وقسم الخليقة إلى قسمين: منهم المؤمن، ومنهم الكافر:هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ... [2] } [سورة التغابن] . والذي يرفض تكفير الكافر، وهو يعلم كفره ويأبى ذلك، فإنه كافر مثله، ولابد أن يحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، والنصوص تدل على البراءة من الكفار كلهم، من حاربنا ومن لم يحاربنا.
وإن زَعْم البعض أن النصوص الشرعية، تدل على أن البراءة يكون فقط ممن كفر وحارب، وليس ممن كفر وسالم؛ فهذا القيد إنما جاء به من عند نفسه، وإن الله علق البراءة على الكفر مطلقًا: