الحلقة (34) ب الجمعة 16 رمضان 1396 / 10 أيلول 1976
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
ونحن نتعرف على فاتحة سورة التكوير ، ولو كنا نبحث السورة وأشباهها على نحوٍ مما يفعل المفسرون ودارسو القرآن الكريم لكان حقًا أن يطول الشوط أكثر مما طال . فالقرآن الكريم لا تنقضي عجائبه ، ولا يخلَق على كثرة الردّ ، ولا تشبع منه العلماء ، ولكنا ندرس هذه السورة وأضرابها مما نزل في بواكير الدعوة لنتعرّف على المهمات التي كُلّف المسلمون بالنهوض بها ، وعلى الأساليب التي أدّوها عليها ، وعلى الوقائع الاجتماعية التي هدفت الدعوة إلى تغييرها ، وعلى ردود الأفعال التي قابل بها المشركون هذه الدعوة .
لقد كانت نفسي تنازعني إلى أن أختصر الكلام اختصارًا لأنفذ من هذه السورة إلى سواها مما ينتظرنا في هذا المجال ، ولكني لا أظن أنني قضيت نحبي من الكلام عن فاتحة سورة التكوير ، وسيكون ظلمًا للمرحلة التي تجتازها البشرية الآن أن نسرع الخطى إزاء أوضاع من هذا النوع قد يجب أن تأخذ من اهتمامنا ومن تفكيرنا الشيء الكثير . لأول مرة ونحن نرود سبع سور مما نزل في بواكير الدعوة نواجه وصفًا وتمثيلًا وتخييلًا وتجسيمًا وتقريبًا لموضوع اليوم الآخر بالكثافة وعلى النحو الذي تحدثت عنه فاتحة سورة التكوير .
وبالرجوع إلى سائر السور التي استعرضناها فنحن نلحظ أن الله جلّ وعلا ومنذ أول سورة لم يُخْلِ سورة من هذه السور من حديث عن اليوم الآخر في موضع أو في أكثر . ثم يأتي الحديث في فاتحة هذه السورة على هذه الدرجة من الكثافة والتنسيق والتركيز ليوقع في روعنا وليقرّ في أذهاننا نحن الذين نحاول بعد مئات السنين أن نتعرّف على تلك الجواء التي تنفست فيها الدعوة الكريمة ، وتحرك فيها قائدها المظفر النبيل محمد صلى الله عليه وسلم ، لنعرف من خلال ذلك أنما نحسبه اليوم يقع موقع البداهة قد كانت اللجاجة من قبل تمزقه تمزيقًا ، وأنما نحسبه اليوم موضوعًا هينًا كان يحتل من اهتمام الدعوة حيزًا هائلًا .
فليس معقولًا ـ والله أعلم ـ أن يأتي القرآن الكريم بهذه الأحاديث المتلاحقة عن اليوم الآخر واليوم الآخر في اعتباره هين ، أو اليوم الآخر في اعتبار المشركين لا شأن له . وسريع أقول إنه ليس مشروطًا أن يكون المجتمع المكي يظهر قدرًا قليلًا من الاهتمام بقضية من القضايا حتى يمرّ عليها القرآن مرّ الكرام ، فقد لا يكون للقضية في المجتمع الجاهلي ذلك الضجيج ، ولكن القرآن بحكمته البالغة يركّز على هذه القضية ، أولًا: لما يعلّق عليها من أهمية من وجهة نظر الإسلام ، وثانيًا: لما لهذه القضية من تشعبات في صميم الحياة الجاهلية توشك الحياة العامة أن تغطي عليها وتطمرها .
وموضوع اليوم الآخر من هذه القضايا ، ليس صحيحًا أن الإنسان الجاهلي لم يكن يكترث باليوم الآخر ، ولكني أحسب ـ والله أعلم ـ أن الإنسان الجاهلي بعد معاناة هذه القضية الصعبة ألقاها عن كاهله وحاول أن يتناساها ، لأنها في اعتباره كانت عصية على الحل . ولكن الواحد منا يحاول حيال كثير من القضايا أن يتجاهلها وأن يحذفها من دائرة اهتمامه ، فما تكون النتيجة ؟ هل يستطيع الإنسان أن يغسل حياته من قضية من هذا النوع ؟ أبدًا ، إنها سوف تبقى تعكر عليه صفوه وتربكه في كل حين ، وكذلك الجاهليون في الوقت الذي حاولوا أن يصفوا حسابهم مع قضية اليوم الآخر بنوع من التفلسف الصبياني ، وبأفانين من الهزء والسخرية ، كانت هذه القضية تعمل عملها المخرب في سلوكهم وفي معتقداتهم .. وفي الأسبوع الماضي أو في الذي قبله ذكرت لكم أن هذه العقائد عكست نفسها على الحياة الاجتماعية فتركت لديهم تصورات وأوهامًا لولا هذه المعتقدات ما كان ينبغي لها أن تكون .
قلت إني ما قضيت نحبي من الكلام عن اليوم الآخر ، بقي علي أن أقول شيئًا قليلًا وأن أحتفظ للمستقبل بالشيء الكثير انتظارًا لما تعرضه علينا آي الكتاب الحكيم من هذا القبيل .
لقد كان الإسلام يقود المسلمين في معركتهم مع الجاهلية ، ولقد كان القرآن يترجم عن الوقائع وعن احتاجات الحركة ، ولو شئنا لقلنا باختصار إن القرآن هو الجواب الكامل عن الجاهلية برمتها ، بما فيها ما مسالك وأخلاقيات ، بما فيها من أعراف ونظم ، بما فيها من عقائد وتصورات .
والعرب الذين ابتُعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم قوم على إرث من إرث إبراهيم عليه السلام ، فهم ـ نسبًا ـ يتحدرون من تلك السلالة الطيبة الطاهرة ، إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن . ومن الطبيعي أن تتسرب إليهم عقائد من عقائد الحنيفية التي جاءت بها إبراهيم ، ولكن طبيعيًا أيضًا أن تعبث بها الأوهام والخرافات والأساطير .