فهرس الكتاب

الصفحة 6784 من 27345

ولقد كان للعرب تصورٌ حيال اليوم الآخر ، ولست أظن أن أمة من الأمم يمكن أن تكون من غير تصور على نحوٍ ما من اليوم الآخر . حتى اليهود الذين تخلو كتبهم المقدسة من الحديث عن اليوم الآخر يتصورون أن جنة بني إسرائيل على الأرض وليست في السماء ، فإنهم لا يفعلون شيئًا حيال صورة اليوم الآخر أكثر من أن يحولوا مكانها لا غير . والشيوعيون كذلك ، فقد قالوا كما قال السفهاء الأقدمون ( إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) اليوم الآخر في أذهانهم ليس بعد هذه الحياة ، ليس خارج هذه الحياة ، جنتهم في هذه الأرض وليست في السماء كما قال أساتذتهم ومعلموهم اليهود حذو النعل بالنعل .

فالأمة التي واجهها بالخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو شئنا أن نضرب صفحًا عن المماحكات والمجادلات الصبيانية الصغيرة التي عرض القرآن لأنماط منها لوجدنا الأمر عندهم يستقر على النحو الذي عبّر عنه حكيمهم وشاعرهم قس بن ساعدة الإيادي الذي أدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبًا جمله الأحمر في سوق عكاظ وهو يخطب العرب الجاهليين متحدثًا عن المأساة التي مزقت الإنسان العربي لأنه لم يستطع لها حلًا في الجاهلية ، كان يطوف على الناس في سوق عكاظ وهو ينشد بعد خطبة طويلة مسجوعة ومحفوظة لدى الرواة يقول: في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر ، لمّا رأيت مواردًا للقوم ليس لها مصادر ، ورأيت قومي نحوها يسعى الأصاغر والأكابر ، أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر .

تلمسون من هذا الكلام الذي قاله حكيم من حكماء العرب في الجاهلية ، فرّ من المعاناة التي استعصت على الحل ، إنه يقرر ما هو واقع ومشهود ، الشيء المشهود أننا نرى الإنسان أنه يموت ، هذا أمر مقرر ومقطوع به ولا مجال إلى المماراة فيه أبدًا ، ولكن ما بعد هذا ؟ أهي النومة الأبدية التي لا قيامة بعدها ؟ أم هي نومة موقوتة بعدها قيامة ومن بعد القيامة حساب ثم نعيم أو عذاب ؟ لا يستطيع الذهن الإنساني بما أوتي من طاقات وبما أوتي من قدرات أن يقضي في هذا الأمر على نحوٍ عقلاني تستقرّ عنده العقول والقلوب . ولهذا فنحن إذا عبرنا القرون ووقفنا في القرن الرابع عند حكيم من أعظم حكماء العرب وشاعر من أبلغ شعرائهم وكاتب من أمتن كتابهم هو أبو العلاء المعري رحمه الله تعالى نجد أنه يردد ذات الخلجات التي كانت تتخالج في نفس الإنسان الجاهلي:

أما اليقين فلا يقين وإنما أقصى اجتهادي أن أظن وأحبسا

هل هناك يقين بقيامة بعد هذا الموت ؟ اليقين أننا نموت ، ولكن لو نحينا الشرائع جانبًا ، ولو نحينا أحاديث الأنبياء وتقريرهم أن قيامة الأموات حق وأن الآخرة حق ، فوسائل العقل لا تسمح لنا بأن نقطع بذلك قطعًا يقينيًا .

وكما كان العرب الجاهليون يجبهون محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه طالبين برهانًا على اليوم الآخر حسيًا يتمثل في إحياء الآباء والأجداد ليخبروا عما شهدوا وعاينوا ، كانوا يقولون ( فاءتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ) فكذلك كان أبو العلاء يعبّر عن ذات النزوع ليس زيغًا في العقيدة ولكن تحدثًا من إطار عقلي خاص يريد بذلك أن يقرر عجز العقل عن الاستقلال بإدراك هذه القضايا العالية الرفيعة ، كان يتحدث عن ذات النوازع:

فهل هبّ من جدث ميت فيخبر عن مسمع أو مرا

ولو هبّ صدقّه معشر وقال أناس طغى وافترى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت