مقدمة:
المعجزة شيء خارق للعادة وفوق قدرة البشر، ولا تحدث إلاّ لنبي من الأنبياء، ومن معجزات النبوة حادثة شق القمر نصفين، ليثبت الله تعالى للكفار أن محمدًا رسول من عنده، وهو ما أثبته العلم الحديث . ومعجزات النبي كثيرة، اختلف في تحديد عددها العلماء فمنها: الإسراء والمعراج، ومنها: نبع الماء من بين أصابعه، ومنها: تكثير الماء القليل ببركته، ومنها: جعْل قليل الطعام كثيرًا حتى وفَّى بالقوم وزاد، ومنها تسبيح الماء بين يديه، ومنها حنين الجذع، ومنها انقياد الشجر له، ومنها سرعة إجابة دعوته.
وإذا كانت هذه المعجزات قد طال حولها الحديث، وتفاوتت درجات ثبوتها، فإن جمهور العلماء على أن أعظم معجزة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي القرآن الكريم، الذي قال فيه رب العزة ـ سبحانه ـ: ?قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ? [الإسراء:88]
أدلة انشقاق القمر:
قال تعالى:? اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُصلى الله عليه وسلم وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّصلى الله عليه وسلم وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرّ? [القمر:1-3] .
وفي الصحيح عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يُريهم آية، فأراهم القمر شِقَّيْن حتى رأوْا غار حراء بينهما (1) .
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم « اشهدوا» (2)
وعن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقالوا: سحر القمر. فنزل قوله تعالى:?اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُصلى الله عليه وسلم وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرّ? [القمر:1 ـ2] (3) . ولقد كان ابن مسعود يردِّد قوله: لقد انشق القمر.
أقوال بعض المفسرين:
قال ابن جرير:يعني تعالى ذكره بقوله ?اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ?: دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة وقوله: ?اقْتَرَبَتِ? افتعلت من القرب وهذا من الله تعالى ذكره إنذار لعباده بدنو القيامة وقرب فناء الدنيا وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة قبل هجومها عليهم وهم عنها في غفلة ساهون, وقوله ?وَانشَقَّ الْقَمَرُ? يقول جل ثناؤه: وانفلق القمر وكان ذلك فيما ذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة إلى المدينة (4) , وقال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: ?وَانشَقَّ الْقَمَرُ?: قد كان هذا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة وقد ثبت في الصحيح عن مسروق قال: قال عبد الله: «خمس قد مضين الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام» (5) وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات (6)
قال القاضي رحمه الله: انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم وقد رواها عدة من الصحابة رضي الله عنهم مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها قال الزجاج وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين المخالفي الملة وذلك لما أعمى الله قلبه. ولا إنكار للعقل فيها لأن القمر مخلوق الله تعالى يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه ويكوره في آخر أمره (7)
يقول الأستاذ الدكتور أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر رحمه الله:
من الأمور المتفق عليها بين العلماء أن انشقاق القمر وقع في عهد رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات، وبعضهم يَروي أن القمر قد انشق مرتين لا مرة واحدة، وقد تحدثَت عن ذلك كتب السنة النبوية الصحيحة.
ولقد كان كفار قريش يظنون أن كل معجزة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الذي يصنعها ويأتي بها، وليس الله هو الذي يأتي بها، فأرادوا أن يتحدوه فطلبوا منه آية سماوية.
واتفقوا على انشقاق القمر، وتواعدوا معه على ليلة فلما جاء الميعاد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: انظروا، فنظروا جميعًا فرأَوْا أن القمر انشق شقتين، نزلَتْ كلُّ واحدة وحدها، فقال ـ صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا» . فقالوا: لقد سحر الأرض والسماء، إن هذا سحر مستمر.
زغلول والقمر: