جمال سلطان 19/6/1425
الموانئ هي المراسي التي تأوي إليها السفن في نهايات الرحلة، وأحيانًا في نهايات كل مرحلة مهمة من مراحلها لتتزود وتنشط البحارة والقباطنة والعاملين، وأحيانًا تتجدد بإفراغ بعض حمولتها التي لم تعد تحتاجها أو التي لا تلائم المرحلة الجديدة في الرحلة، وتحميل بعض الجديد الذي تحتاجه، وأيضًا ممارسة عمليات الصيانة الضرورية لآلات العمل والتأكد من تطهير السفينة من الآفات، وكل سفينة تبحر فهي تعمل وفق خريطة ملاحية منضبطة، وتعرف مسارها، كما تعرف ـ وهذا هو الأهم ـ ميناء الوصول، وعندما كنت أتأمل في حال الحركة الإسلامية المعاصرة، لا أدري لماذا فرض نفسه علي هذا الخاطر، خاطر الميناء، كنت أشعر بأن الحركة الإسلامية مثل سفينة عظيمة تحمل من الوقود الشيء العظيم، وتحمل من الزاد الكثير، وتعمل وفق آلات جبارة قادرة على الدوران والتضحية بلا كلل ولا ملل، ولكنها في النهاية: سفينة بلا شاطئ، وبلا ميناء تأوي إليه وتمارس هذا الذي أشرنا إليه مطلع هذه الكلمة، والأهم فيما سبق أنها تبدو أحيانًا وكأنها سفينة بلا ميناء وصول، بلا هدف محدد ومضبوط وواضح في أذهان قبطانها وملاحيها، فضلًا عن عمالها وفنييها، وهذا ما يجعلنا نلاحظ هذه الحلقة المفرغة التي تدور فيها الحركة الإسلامية على مدار عشرات السنين، ربما عرفنا مبتدأها ولكن المؤكد أننا لا نعرف منتهاها أو مقصدها. هناك بطبيعة الحال بعض العلامات الإرشادية والشعارات والأماني والصور التاريخية الجميلة التي نتأساها ونتمناها، ولكن لم يتبلور لنا من هذه الأماني والطموحات مشروعات محددة تضبط لنا معالم"الميناء"والمنتهى، وهذا ما جعل هناك تضاربًا مدهشًا بين أبناء الحركة الإسلامية في فهم الهدف والطموح، ليس تضاربًا بسبب الجغرافيا أو التاريخ؛ لأن هذا التضارب يقع أحيانًا كثيرة بين أبناء القطر الواحد والجغرافية الواحدة والتاريخ الواحد؛ بل إنك تفاجأ أحيانًا بتوافق فكري ومنهجي ـ إن صح استعمال هذا اللفظ هنا ـ بين جماعات أو تجمعات في أقطار مختلفة ومتباعدة لا يجمع بينها تاريخ أو جغرافيا أو واقع جديد؛ وإنما الأمر أشبه بوجود فراغات فكرية وروحية امتلأت هنا وهناك كيفما اتفق، وتجد هذا التوافق الفكري بين هذه التجمعات يتناقض مع"خيط"فكري آخر انتظم تجمعات أخرى في نفس هذه البلدان المختلفة جغرافيًّا وتاريخيًّا وواقعيًّا، وهي تناقضات إذا ذهبت تبحث في مبرراتها أو جذورها لن تجد شيئًا يتصل بالعلم أو المنهج أو التحديات الواقعية أو الطموحات أو مشروعات لنهضة الأمة أو تصور"لميناء"الوصول، وإنما هي عشوائيات فكرية ومنهجية تشكلت في غيبة من النمو الطبيعي للحياة الفكرية والعلمية للأمة، وانقطاع قسري في مسار التراكم لخبرتها الحضارية بكلها المتكامل: تربية وعلومًا وفكرًا وثقافة وقيمًا وفنونًا ووعيًا بالذات وبالآخر.
هذه العشوائية تستطيع أن تجد بعض معالمها في تكرار تجارب حركات إسلامية في بلدان مختلفة ومراحل تاريخية مختلفة، فتجد كثيرًا من الحركات تعيد تكرار نفس التجربة التي فشلت في بلد آخر من قبل دون أن يبدو في الأفق أي إضافة جديدة أو أي تطوير أو خبرة مكتسبة، وتجد بعض الحركات تعيد إنتاج أفكار حركية قديمة وتقاتل دونها، رغم أن الزمان تجاوزها، لأنها ببساطة تتحدث عن عالم لم يعد قائمًا، وتوازنات قوى عالمية أعيد تشكيلها مرة أخرى، وحسابات إنسانية وكونية اختلفت جذريًّا، ولكن"فكر الحركة الإسلامية"لا يعترف بكل ذلك، ويصر على أن يواجه صورة العالم التي يتخيلها، وليست الصورة التي هو عليها بالفعل، وهذا الأمر جعل هناك حالة من السطحية الغريبة في التصور السياسي للحركات الإسلامية بصفة عامة، وفهم ساذج لحسابات المصالح والقوى ومفاتيح القوة في عالم اليوم، هذا فضلًا عن فقدان وجود أي خطاب سياسي"محترم"تستطيع أن تواجه به العالم، العالم القريب والعالم البعيد، أخطر من ذلك أن تتاح لك أكثر من مرة الفرص لاستثمار جهدك في ثمار سياسية محترمة أنت تستحقها بالفعل، وبلورة نجاح في صورة واقع ملموس في محطات مهمة، ولكن الحركة الإسلامية بكل بساطة واستهتار تهدر مثل هذه الفرص وتضيع أي إمكانية للإفادة ـ إفادة الأمة أولًا ـ من ثمار هذا النجاح المرحلي.