فهرس الكتاب

الصفحة 22746 من 27345

محاوراتٌ في الدِّين

(محاضرات نخبة من العلماء وعلى رأسهم الإمام محمد قاسم النانوتوي في معرض

معرفة الذات الإلهية المنعقد 7/مايو 1876م في"تشاندافور"

بمديرية"شاه جهان فور"بولاية أترا براديش ، الهند)

(الحلقة 3)

تعريب: الأستاذ محمد ساجد القاسمي / أستاذ بالجامعة

التثليث في التوحيد يعارض العقل:

إنَّ عقيدة تعدُّد الآلهة وعقيدة التكفير معارضتانِ العقلَ كلَّ المعارضة وباطلتان كلَّ البطلان . ثم إنَّ عقيدة تعدُّد الآلهة مع وحدة الاله مما لايقبله أحد من الناس ، صغيرًا كانَ أو كبيرًا ، شابًا كان أو شيخًا ، كاملَ العقل كان أو ناقصه ، حتى إنَّ النصارى أنفسهم يرون - بموجب العقل - اجتماع التعدد والوحدة الحقيقيَّيين من جملة المستحيلات ؛ فكل ذي عقل يراه باطلًا . فما يدركه العقل دونما دليلٍ أي لايحتاج في إدراكه إلى دليلٍ ، لايُثْبِتُه حتى ألف دليل ؛ لأنَّ ما ثبت بدون دليل فهو كالمشَاهَد، وما ثبتَ بالدليل فهو كالمسموع ، وشتّان ما بين المشاهد والمسموع .

ومثله كمثل عالم رياضيٍ بارع يقول عند غروب الشمس وهو ينظر إلى ساعته:"قد غربت الشمس"ورجل غير مثقف واقف على مكانٍ مرتفع ينظر بأم عينيه أنَّ الشمس لم تغرب حتى الآن. فكما أنَّ هذا الرجل - بالرغم من قلّة ثقافته وعدم معرفته بالأوقات بالساعات واعترافه بفضل العالم الرياضي البارع - لايصدِّق العالم الرياضي في قوله المبرهن بالدليل لما شاهده بأم عينيه ، مهما ادّعى حتى ألف عالم رياضي غروب الشمس مستدلين بالساعات . فكذلك العقل يرى - لما حصل له العلم دونما دليل والذي هو بمثابة المشاهدة عن هذه المستحيلات - هذه المستحيلات المبرهنة بالدلائل - مهما قدَّمَها العقلاء - خاطئةً .

العقل يقضي:

فكما أنَّ ذلك الرجل غير المثقف يرى ما تُشِيْرُ إليه الساعة خاطئًا ويقول عنها:"إنها متعطلة وأما مشاهدتي فليست خاطئة"وإن لم يعلم ما فيها من التعطل ، فكذلك عقول عامة الناس وخاصتهم لن تُسَلِّمَ وتُصدِّق - لما تدركه من استحالة اجتماع التوحيد والتثليث دونما دليل - دعوى التثليث في الإنجيل المُسْتَخْرَجة من بعض نصوصِه التي لاتحتمل إضافةً ولازيادةً ولو فرضًا بلْهَ الإذعان بالإضافة والزيادة ، وإنما ترى الإنجيل محرَّفًا ، وتقول: إنه قد دَخَلَه التحريف والخطأ . وإن لم تعلم ما فيه من التحريف .

لم يتمَّ محاضرة الشيخ محمد قاسم لقلَّة الوقت:

كان الشيخ محمد قاسم يلقي محاضرتَه ، وإذا الأسقف أخبره بأنَّه وقته المحدَّد - وهو خمس عشرة دقيقة - قد انتهى ، فأوقف الشيخ محاضرته ، فأَسِف المسلمون على انتقاص محاضرته .

وقد كان الشيخ يوضَّح الفرق بين المستحيلات والمتشابهات ، لأنَّ المتشابهات كذات الله تعالى وصفاته وأرواح بني آدم يحتار العقل في إدراكها، وأما المستحيلات فلا يحتار العقل في إدراكها ، وإنما يدرك عدمها واستحالتها دونما صعوبة ، والفرق بين إدراك العدم وعدم الإدراك كالفرق بين الأرض والسماء .

اعتراض سخيف:

انتهت محاضرة الشيخ فعاد إلى مجلسه ، ونهض الأسقف وقال:"إنَّ الشيخ لم يُبيِّن من فضائل دينه شيئًا ، وإنَّما وجَّهَ اعتراضًا إلى ديني". إنَّ الأسقف لم يستطع أن يعترض على ما اشتملت محاضرته من الحقائق ، وكان اعتراضه هذا غايةً في السخافة . أراد الشيخ أن ينهض ويردَّ عليه ، إلا أنه لم يأتِ دوره حتى قام الشيخ أحمد علي النكينوي أحد المحامين في محكمة"شاه جهانفور"وقال:"هذه هي فضائل ديني . وأما الأديان الأخرى ففيها معائب سردها الشيخ محمد قاسم في محاضرته، وأما الإسلام فليس فيه منها شيء".

يُلْقِي الأسقف"مولا دادخان"محاضرةً مثيرةً للغضب:

ثم قامَ بعض الأساقفة الهنود الذين أصَمُّو آذان الحضور في الحفل ، وكان منهم الأسقف"مولا دادخان"الذي ألقى محاضرةً فارغةً عن المعنى تَشِفُّ عن الإساءة إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وكانت الإساءة حيلةً احتالها . ومن دأب الأساقفة أنّهم يسيؤون الأدب إلى نبيّ الإسلام في حوارهم تخلُّصًا من المسلمين . ولما كان المسلمون يتورعون عن مثل هذه الأمور ولايبادلون الإساءة بالإساءة؛ لأن سيدنا عيسى عليه السلام وحواريه والأنبياء السابقين محترمون ومعظمون لديهم كذلك ، فيضطرُّونَ إلى الردِّ عليهم باليد دون اللسان مما يتيح لهم الفرصة أن يُشَهِّروا بأنَّ المسلمين إذا لم يتمكنوا من الردِّ أو لم يتوصلوا إلى الإجابة بدؤوا يحاريون أو يلوذون بالفرار ، فينتصر الأساقفة .

على كلٍ فهم ينبذون الإنصاف والخوف من الله وراء ظهورهم ويسيؤون الأدب ؛ فقد حذا الأسقف مولا داد خان حذوهم ، وأسوق خلاصة ما قالَه في محاضرته ، ولايطاوع القلم واللسان لشناعة ما قاله فيها ، فقال:"ادّعى نبيُّ المسلمين النبوّة كما ادّعى سيِّد الحُوْلِ . وقال عيسى عليه السلام: الذين يأتون بعدي يكونون سُرَّاقًا وقطاع الطريق"وذلك يعني أنه لن يأتي بعده نبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت