فهرس الكتاب

الصفحة 6945 من 27345

الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد*

أيها المسلمون في كل زمان ومكان! اجتمعوا؛ ولا تفرقوا، واتحدوا؛ ولا تنازعوا، واعلموا أن المسلمين لم يبتلوا بشيء في هذا العصر أخطر، ولا أشد عليهم من الاختلاف، والتفرق، والتشرذم، ولم يتسلط عليهم الأعداء إلا لتفرقهم، واختلافهم.

لا شك أن الخلاف كائن في هذه الأمة؛ كما كان كائنًا في غيرها من الأمم؛ (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) .

ولا شك كذلك أن الخلاف منه ما هو سائغ، ومنه ما هو ممنوع، والتمييز بين ما هو سائغ وما هو ممنوع مطلب شرعي، وواجب ديني.

لا تستطيع قوة في الأرض أن تمنع من وقوع الاختلاف بين الناس، ولكن علمنا ربنا: ماذا نفعل عند الاختلاف؟؛ فقال: (فإن تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرسول) ، وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) ، وأدَّبنا رسولنا صلى الله عليه وسلم؛ وعلمنا أن الخلاف السائغ لا يوجب عداءًا ولا هجرًا، وأرشدنا سلفنا الصالح إلى كيفية التعامل مع المخالف، وحذرنا الشارع الحكيم من مغبة البغي، والظلم، والكبر، وقالت الحكماء: اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.

جلّ الخلافات بين المنتسبين إلى السنة، والسلفية اليوم تنحصر في الآتي:

1.في بعض الفروع.

2.في وسائل العمل؛ وليس في الغايات.

3.بعض النوازل.

4.بعض التأويلات الخاطئة.

وكلها لا تخرج عن دائرة الخلاف السائغ؛ الجائز في الجملة، الذي لا يوجب عداءًا، ولا تبديعًا، وتضليلًا، وتكفيرًا؛ وغاية ما ينتج عنه التخطئة؛ ولا يكون سببًا بحال من الأحوال لما نراه من التفرق، والتشرذم، والتحزب؛ وما نتج عن ذلك؛ من التباغض، والتحاسد، والتبديع، والتكفير في بعض الأحيان.. ومرد كل ذلك لأمور هي:

1.قلة الفقه.

2.قلة الورع، أو انعدامه.

3.انعدام الثقة، وسوء الظن بالآخر.

4.الغرور، والاستكبار.

5.عدم إدراك المخاطر المحيطة بالمسلمين عمومًا.

6.قلة الحكمة عند القيادات.

7.سوء أدب كثير من الأتباع.

يتضح ذلك إذا أجرينا مقارنة بين نوع، وحجم الخلاف الذي حدث لسلفنا الصالح، وكيفية تعاملهم مع الخلاف، والتزامهم بالآداب الشرعية، والسنن المرعية، وضبط النفس، والتحلي بالحكمة، والصبر في أحلك المواقف، وبين مانراه، ونشاهده؛ من تباغض، وتناحر، وسباب، وشتم، ومعاداة بين إخوة العقيدة، ورفقاء الدرب؛ من أتباع السنة، والسلفية مع بعضهم البعض؛ حيث لم يسعهم ما وسع سلفهم الصالح.

وهذه نماذج لسلوك بعض السلف مع المخالفين لهم فيما يسوغ فيه الاختلاف، وما لا يسوغ:

1.خالف ابن مسعود عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما في أكثر من مائة مسألة في الفرائض وغيرها؛ ومع ذلك كان عمر رضي الله تعالى عنه من أحب الخلق لابن مسعود رضي الله تعالى عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وكان كل منهما يثني على صاحبه بما هو أهله، ولم نجد لهذه الخلافات أثرًا في سلوكهما ومعاملتهما..

فقد كان عمر يقول عن ابن مسعود: (كنيِّف ملئ علمًا) ، وعندما استشهد عمر قال ابن مسعود: (لم يُصب الإسلام بمصيبة أفدح من هذه) .. أوكما قالا.

2.عندما أتم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه الصلاة الرباعية في موسم الحج بمنى متأولًا أتم معه ابن مسعود؛ فقيل له: (كيف تصلي أربعًا؛ وقد صليتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ركعتين؟!) ؛ قال: (الخلاف شر) ..

الذي حمل ابن مسعود على إتمام الصلاة الرباعية بمنى مع عثمان خوف الاختلاف؛ الذي لا يأتي بخير، وإن كان المخالف محقًا؛ طالما أن عثمان فعل ذلك متأولًا؛ وهو إمام راشد؛ يُقتدى بفعله.

3.معاملة علي رضي الله تعالى عنه للمقاتلين له من أهل الجمل وصفين، وإكرامه لعائشة رضي الله تعالى عنها، ورده لها إلى المدينة معززة مكرمة مع فريق من النساء، وقد أخرج ابنيه الحسن والحسين مشيعين لها من الكوفة.

وقوله لمن أخبره بمقتل الزبير رضي الله تعالى عنه: (بشِّر قاتل ابن صفية بالنار) .

4.ثناء علي رضي الله تعالى عنه على الذين امتنعوا عن القتال معه ومع غيره ومنهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت