فهرس الكتاب

الصفحة 6946 من 27345

5.عندما سُئل عن الخوارج - الذين شقوا عصا الطاعة عليه؛ وأضعفوا عسكره، وكفروه؛ وقاتلوه، وفي نهاية المطاف قتلوه ظلمًا وعدوانًا: (هل هم كفار؟) ؛ قال: (لا!؛ بل من الكفر فروا) ؛ فقالوا له: (هل هم منافقون؟) ؛ قال: (لا؛ المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهؤلاء - كما شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم - ينكر أحدكم صلاته إلا صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم... الحديث) ؛ فقالوا: (ما هم؟) ؛ قال: (إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم!) .. قال كل ذلك على الرغم من أنه يملك دليل كفرهم من السنة المطهرة، وعلى الرغم من انشراحه لقتالهم، وعدم انشراحه لقتال أهل الجمل وصفين؛ لأنهم كانوا صادقين في تأويلهم على الرغم من خطئهم في هذا التأويل.

6.اختلف الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى؛ وتناظرا في كفر تارك الصلاة كسلًا، وثبت كل منهما على ما أدَّاه إليه اجتهاده، ولم يؤثر هذا الخلاف، ولا تلك المناظرة في علاقتهما، وودهما لبعض..

قال الشافعي: خرجتُ من بغداد ولم أخلف فيها أفضل، ولا أورع، ولا أعلم من أحمد.. وقال: أحمد إمام في عشرة أمور... ذكر منها الحديث، والفقه، والزهد، والفقر.. وكان أحمد يقول: الشافعي حبيب قلبي.. وكان يدعو له في السحر مع والديه، وبعض أهل وده.

7.صَفْح الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وعفوه عن كل من أذاه؛ بالضرب، والسجن، والتعذيب إلا أئمة الفتنة الحقيقيين.

8.جانب من حلم، وصفح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن خصومه عندما قدر عليهم؛ ومُكِّن منهم.. ونهدي ذلك إلى أولئك الذين يستدلون بأقوال هذا الإمام، ويهملون ما كان يعامل به خصومه من أهل البدع، وغيرهم.

قال الشيخ علم الدين البرزالي: (لما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين بن تيمية من الإسكندرية؛ معززًا، مكرمًا، مبجلًا؛ فوجه إليه في ثاني يوم من شوال؛ بعد وصوله بيوم أويومين؛ فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان يوم الجمعة؛ فأكرمه، وتلقاه، ومشى إليه في مجلس حافل في قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء، والجند، وكثير من الفقهاء، والقضاة؛ منهم من يعتذر إليه، ويتنصل مما وقع منه؛ فقال الشيخ: أنا أحللتُ كل من أذاني.. إلى أن قال: وإن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة؛ بسبب ما كانوا يتكلمون فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله - أي الملك -، وأنهم قاموا عليك؛ وآذوك أنت أيضًا، وأخذ يحثّه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم.. وإنما كان حنقه عليهم - أي الملك على العلماء - بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله، ومبايعة الجاشنكير؛ ففهم الشيخ مراد السلطان؛ فأخذ في تعظيم القضاة، والعلماء؛ وينكر أن ينال أحد منهم بسوء؛ وقال: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم؛ فقال له - أي الملك: إنهم قد آذوك؛ وأرادوا قتلك مرارًا.. فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي؛ وما زال به حتى حلم عنهم السلطان، وصفح..

قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية، حَرَّضْنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا، وحاجَّ عنا.

9.وقال ابن القيم مادحًا ابن تيمية: (كان يدعو لأعدائه؛ ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت له يومًا أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس في إيذائه؛ فزجرني، وأعرض عني، وقرأ(إنا لله وإنا إليه راجعون) ، وذهب لساعته إلى منزله؛ فعزى أهله، وقال: اعتبروني خليفة له، ونائبًا عنه، وسأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه.. وتحدث معهم بلطف، وإكرام؛ بعث فيهم السرور.. فبالغ في الدعاء لهم حتى تعجبوا منه..

هذه النماذج الرائعة، والصور الجميلة توضح ما كان عليه سلفنا الصالح؛ من الفقه، والأدب، والورع، وحسن الخلق، وتبين كذلك البون الشاسع، والفرق الواسع بيننا، وبينهم؛ حيث إن بعضنا يفتعل أسباب الخلاف افتعالًا؛ بإفشاء الزلات، وتضخيمها، وستر الحسنات، وإخفائها، ويعادي من غير سبب شرعي؛ على الرغم من أن الأسباب التي تدعو إلى الائتلاف، والتوافق أكثر من أن تحصى في هذا العصر؛ فهي أكثر من تكالب الأعداء؛ من كفار، ومنافقين، وجهلة، ومبتدعين.

والله تعالى أسأل أن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويهديهم سبل السلام، وأن يرينا، وجميع إخواننا المسلمين الحق حقًا؛ ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا؛ ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا من الذي يستمعون القول؛ فيتبعون أحسنه.. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا القائل: (سدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا) ، وعلى آله، وصحبه، ومن والاهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت