د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه 15/12/1425
لا نعلم أمرا اجتمع كثير من الناس، على التفريط فيه والغفلة عنه ونسيانه، كاجتماعهم على التفريط في الدعوة إلى سؤال الله وحده، وترك سؤال المخلوق، فهذا الأمر بالرغم من كونه أصل التوحيد والدين، إلا أنه ما زال مجهولا عند أكثر الناس.. العامي منهم والمتعلم..!!. ولا تكاد تجد أحدا يذكر به، أو يلفت النظر إليه، بل جل المواعظ منصبة في التحذير من الذنوب، والتحذير من كيد الأعداء، والمسارعة في الطاعات، أما هذا الأصل الكبير، فقل من يتكلم به، مع أن القرآن يوليه الأهمية الكبرى، والسنة تفسح له مكانا كبيرا بالتفصيل والبيان البليغ، حتى ليخيل إلى المتأمل أن الدين كله في سؤال الله وحده.
فإذا تتبعنا آي القرآن، وجدناها تحرض على سؤال الله تعالى، وتأمر به:
-تارة ببيان أن الفضل له، يقول تعالى: {واسألوا الله من فضله} .
-وأخرى ببيان قربه من عباده، وسماعه كل ما يسألونه، وإجابته لهم، يقول تعالى:
- { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} .
-وثالثة بوعيد من استغنى، فلم يرفع حاجاته إلى الله تعالى، واستكبر عن سؤاله، يقول تعالى:
- {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} .
-ورابعة بالترغيب في سؤال الله وحده، والتنفير من سؤال الخلق، بوصفهم لا يملكون شيئا، قال الله تعالى:
- {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} .
-ويقول: { تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير} .
-ويقول: { الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا * واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا} .
-وخامسة بالثناء الكبير على المستعفين المستغنين عن سؤال الناس، يقول الله تعالى:
- { للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} .
والآيات في هذا المعنى كثيرة.. وإذا التفتنا إلى السنة وجدناها تفصل في هذه القاعدة تفصيلا دقيقا..
-فتارة ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل أحد شيئا لا يحل له فيقول:
-"ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم" (1) .
-وأخرى يحث على العمل والتكسب حتى لا يتعرض لسؤال الناس فيقول:
-"لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو فيحتطب، فيبيع فيأكل ويتصدق خير له من أن يسأل الناس" (2) .
-وثالثة يخبر بأن الجنة ثواب من عف عن سؤال الناس، يقول ثوبان رضي الله عنه:
-قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا فأتكفل له بالجنة؟، فقلت: أنا، فكان لا يسأل أحدا شيئا) (3) ."
-وفي الرابعة يبلغ به الحرص لتأصيل هذا الركن، فيجعله من بيعته لأصحابه، فعن عوف بن مالك الأشجعي قال:"كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال:"
- ( ألا تبايعون) ؟، وكنا حديثي عهد ببيعة فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: (ألا تبايعون رسول الله) ؟، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ( ألا تبايعون رسول الله) ؟، فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟، قال: ( على أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس وتطيعوا) ، وأسر كلمة خفية: ( ولا تسألوا الناس شيئا) ، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه" (4) ."
-وخامسة لكون هذا الأمر من أصول الدين، فقد كان يبادر به الصبيان والصغار، فيأمرهم به، كما كان يأمرهم بالصلاة لسبع، فها هو يقول لابن عباس رضي الله عنهما وهو غلام صغير:
-"يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"، ويؤكد له هذا المعنى بقوله:"واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف" (5) .
-وسادسة كان عليه الصلاة والسلام يستغل كل مناسبة وحادثة، ليبين للناس أن سؤال الله تعالى أجدى لهم من سؤال غيره، فيقول:
-"من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل" (6) .
-وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال:"ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا و أوسع من الصبر" (7) .