فهرس الكتاب

الصفحة 8858 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

لابد أَن يتعرّض المسلم والجماعة والعمل الإِسلامي إِلى بعض المواقف التي يُمحَّص فيه الإِيمان وصفاؤه، والعلم وقوّته، والوعي وامتداده. ومن خلال أَحداث الحياة وسنن الله يمضي هذا الابتلاء والتمحيص على درجات متفاوتة في الشدّة أَو الخطورة.وقد تظهر من خلال ذلك كله أمراض وعلل في جسد الدعوة، فإِن تُرِكت نمتْ واستشرت، وإن عولجتْ هدى الله من يشاء إلى الحق بإِذنه.

ونريد أَن نعرض هنا إِلى مرض يسهل انتشاره وامتداده، لأنه يلامس العاطفة المغروسة في الإِنسان. ولكن هذا المرض يدفع العاطفة إذا لامسها إِلى الانحراف عن نهج الإِيمان، ويغذيها في هذا الاتجاه المنحرف. وإذا استمرّ الانحراف يتحوّل إلى فتنة وضلالة كبيرة.

ولقد أَشار الرسول صلى الله عليه وسلم إِلى ذلك في أَكثر من مناسبة وحديث. فعن أَنس رضي الله عنه أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاث لم تزلْن في أُمتي: التفاخر بالأَحساب، والنياحة والأَنواء" (1) .

نعم ! التفاخر بالأحساب والاعتزاز بها وبأمثالها من العصبيات الجاهلية، من إقليمية إلى قومية إلى غيرها. ويوضح حديث آخر ارتباط هذه القضايا الثلاث بالجاهلية وأفَكارها وعاداتها.

فعن أَبي هريرة رضي الله عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاث من فعل الجاهلية لا يدعهن أَهل الإسلام: استسقاء بالكواكب وطعنٌ في النسب والنياحة على الميت" (2)

وفي رواية أحمد بن حنبل:"ثلاث من عمل الجاهلية لا يتركهن أهل الإِسلام: النياحة على الميت، والاستسقاء بالأَنواء وكذا. قلت لسعيد وما هو ؟ قال دعوى الجاهلية يا آل فلان يا آل فلان" (3)

وعن أَبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله عز وجلّ قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ، وفاجر شقي. أَنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعنَّ رجال فخرها بأقوام، إنما هم فحْم من فحم جهنم، أَو ليكونُنَّ أَهون على الله من الجعلان التي تدفع بأَنفها النتن"

[ أخرجه أبو داود والترمذي ] (4)

وعن بنت واثلة بن الأسقع أَنها سمعت أَباها يقول: قلت: يا رسول الله، ما العصبية ؟ قال:"أن تعين قومك على الظلم".

[ رواه أبو داود وابن ماجة ] (5)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قاتل تحت راية عِمِّيِّة، يدعو إِلى عصبية، أَو يغضب إلى عصبية، فقتْلُه جاهلية"."أي فقتاله جاهلية".

[ رواه ابن ماجه والنسائي ومسلم ] (6)

وفي رواية لمسلم:"من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّة"الأَمر الأعمى لا يستبين وجهه"، يغضب لعَصَبَةٍ أو يدعو لعَصَبَةٍ أَو ينصر عَصَبة، فُقُتِل فقِتلةٌ جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب بَرَّها وفاجرها، ولا يتحاشى مؤمنها، ولا يفي لذي عهدٍ عهده، فليس مني ولست منه" (7)

من هذه الأحاديث الشريفة تتضح لنا حقيقة المرض والعلّة على صورته الواقعية. وكذلك فإن الأحاديث الشريفة تشير إِلى جوهر العلاج الذي يرسمه منهاج الله بتكامله وتناسقه وترابطه.

إنها مسئولية الدعوة الإسلامية، ومسئولية الدعاة والمربين، ومسئولية الآباء والأُمهات، ومسئولية كل مسلم أَن ينهض لعلاج هذا الداء القاتل، الداء المستشري في حياة الإِنسانية.

إن دعوى الجاهلية هذه: يا آل فلان ويا آل فلان، هي وأمثالها من دعوات الإقليمية. والقومية تمثل انحراف عاطفة القربى ورابطة البلد عن خطها الإِيمانيّ ونهجها الرباني، لتصبح عاطفة ودعوى جاهلية، تفسد في الناس وتفرق، بدلًا من أن تجمع وتصلح. إِنها العصبية التي عرفها لنا وحذَّرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إِنها الباطل والفتنة والفساد.

وفي واقعنا اليوم، واقع المسلمين في الأرض، استشرى هذا المرض على صورة خطيرة مدمّرة. فأَصبح المسلم الذي يصلي ويصوم ويحجّ يجد اعتزازه في نفسه وعاطفته وفكره لأرضه أولًا قبل دينه وعقيدته. أصبحنا نجد هذه الدعوى الجاهلية تمضي في واقع المسلمين تحت راية الإسلام وشعار الإيمان. لقد أصبح الواقع المنحرف الذي يعيشه المسلمون هو الذي يصوغ روابط الناس وعلاقاتهم، ولم يعد الإيمان والتوحيد، ولم تعد آيات الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، لم يعد هذا كله هو الذي يصوغ الروابط بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت