فهرس الكتاب

الصفحة 8857 من 27345

إنّ السعادة والراحة والطمأنينة في محبَّة الله سبحانه والأنس به والشوق إلى لقائه والرضا به وعنه، فمحبَّته تعالى من أعظم واجبات الدين وأكبر أصوله وأجلّ قواعده، ومن أحب معه مخلوقًا مثل ما يحبَّه فهو من الشرك الذي لا يُغفر لصاحبه ولا يُقبل معه عمل. وإذا كان العبد لا يكون من أهل الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحبُّ إليه من نفسه وأهله وولده والنَّاس أجمعين، ومحبَّته تبع لمحبَّة الله؛ فما الظن بمحبته سبحانه؟ وهو سبحانه لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته التي تتضمن كمال محبَّته وكمال تعظيمه والذل له، ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه، وعلى ذلك وضع الثواب والعقاب، وأُسست الجنّة والنار، وانقسم الناس إلى شقي وسعيد.

وكما أنَّه سبحانه ليس كمثله شيء، فليس كمحبَّته وإجلاله وخوفه محبَّة وإجلال ومخافة، فالمخلوق كلَّما خفته استوحشت منه وهربت منه، والله سبحانه كلما خفته أنست به وفررت إليه، والمخلوقُ يخاف ظلمه وعدوانه، والربُّ سبحانه إنَّما يخاف عدله وقسطه، وكذلك المحبَّة، فإنّ محبَّة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمحبّ ووبال عليه.

فيا حسرة المحبّ الذي باع نفسه لغير الحبيب الأوَّل، بثمن بخس وشهوة عاجلة، ذهبت لذتها وبقيت تبعتها، وانقضت منفعتها وبقيت مضرتها، فذهبت الشهوة وبقيت الشقوة، وزالت النشوة وبقيت الحسرة، حسرة فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم، وحسرة ما يقاسيه من النصب والعذاب الأليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت