الحلقة (19) الجمعة 12 ربيع الأول 1396- 12 آذار 1976 تتمة الهجرة
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد:
فما زلنا بصدد البحث في موضوع الهجرة إلى الحبشة، وكان حديث الجمعة الماضي ينصب على هذا الموضوع أيضًا وإن ما دعاني إلى أن أولي عناية خاصة لهذه القضية التي ربما مَرَّ عليها كثير من الدارسين للسيرة مر الكرام، دون أن تستلفت انتباههم إلى ما تحمله من دلائل وما تثيره من قضايا خطيرة أقول: إن ما حملني على ذلك أنني وجدت المستشرقين الذين امتهنوا الدراسات الإٍسلامية بنية الكيد والدس والطعن، يرون في هذه الهجرة بداية اتصال بين الإسلام والمسيحية أدى إلى إخصاب الإسلام بالكثير من عقائد النصرانية وتلوينه بالعديد من اتجاهاتها. كما وجدت أن فريقًا من الدارسين للسيرة من المسلمين بالذات قد ذهبوا إلى أن هجرة الحبشة حلقة في سلسلة البحث عن مستقر للدعوة الإسلامية.
وكنت منذ زمن طويل أعجب لهذه العقول، ولكني لا آبه لمثل هذه الاتجاهات في التفكير وأحاول أن أهون من شأنها وأن أقلل من خطرها، والإنسان كل إنسان بلا حاجة إلى أن يوقع نفسه في أوهام الغرور، كل إنسان طالما هو حي يفكر ويدرس ويلاحظ يتطور وكلما حقق على صعيد الفكر بلوغ مرحلة فهو قادر بالمثابرة والدأب على أن يتجاوز هذه المرحلة انطلاقًا منها وتأسيسًا عليها. ومنذ زمن ليس بالبعيد تكشفت لي حقيقة بسيطة تتعلق بالدراسات الإسلامية عمومًا وبدراسته من الزاوية التاريخية على وجه الخصوص وانتويت في نفسي أمرًا أعرف تمامًا قصور وسائلي فيه وأعرف بصدق أن المسألة التي انتويتها لا يقوم لها الأفراد وإنما هي بحاجة إلى جهود جماعية مكثفة ولكن ما الحيلة ونحن في العالم العربي وفي العالم الإسلامي ما زالت تسودنا روح الفردية في العمل وما زال ظننا بالعمل الجماعي والجهد المشترك سيئًا، فلذلك قررت أن أنهض بالمهمة على ما سوف يعتورها من قصور ونقص إلى أن يأذن الله تعالى لهذه الأمة أن تعي تمامًا فوائد العمل المشترك وفوائد المجهود الجماعي.
وكانت بداية المباشرة في هذا المجهود صيف هذا العام في أوائل الصيف قررت أن أتناول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومضيت في ذلك شوطًا لا بأس به، وإن كان ضمن حدود المقدمات، لم ندخل صلب الموضوع ولم نحاول أن نتعرف بعد، حتى على بدايات الحركة، لكن ضرورة إثارة موضوع الهجرة دفعت إلى الأمام في ذهني قضية الهجرة إلى الحبشة وهنا ملاحظة أحب أن أبينها لإخوتي جميعًا وهي ملاحظة هادية في مجال الدراسات الإسلامية عامة والتاريخية منها على الخصوص؛ نحن حتى الآن تعودنا أن نتناول الحوادث بصورة متجزئة أي أننا نأخذ حادثًا معينًا، واقعة تاريخية خاصة نقص قصتها ونحاول أن نستنتج منها ما شاء الله أن نستنج، هذه الطريقة غلط ليس هذا وحسب ولكنها أيضًا طريقة تزّيف الواقعة التاريخية من حيث أنها تعطيها على العموم تفسيرًا زائفًا ومشوهًا.
في الدراسات التاريخية لا بد لنا أن نضع المنظور التاريخي كله أمام أعيننا ولا بد لنا من أن نعمل جغرافية كاملة للحدث التاريخي أي لا بد من أن نربط الحدث التاريخي بسلسلة الحوادث التي سبقته من جهة ولا بد لنا من أن نعامله هو والسلسلة كلها على ضوء المعطيات الأساسية للدعوة بالذات، من هنا كنت متحرجًا جدًا كما ذكرت لكم في أول مرة منذ خطبتين في تناول هذا الموضوع، كنت أخطط في ذهني أن بيني وبين هذه القضية مرحلة قد لا تقل عن سنتين على أقل تقدير لأنني أردت أن يكون الكلام على هجرة الحبشة وتوابعها جائيًا في سياق الكلام على مجمل السيرة، لكن الله شاء أن يطرح الموضوع في هذه الأيام وليكن...
في الجمعة الماضية طرحنا على أنفسنا سؤالين؛ الأول ما دام الإسلام ما زال في بداياته، والقرآن لم يتنزل منه إلا الشيء اليسير، والدعوة بعد غضة طرية وجديدة في قلوب الناس وعقول الناس، ألا يشكل بالنسبة للمسلمين نوعًا من المغامرة أن نرسلهم إلى أرض غريبة عنهم، الدار غير الدار، واللسان غير اللسان، والدين غير الدين، ونظرنا فوجدنا أن الأحوال السائدة في النصرانية لا تسمح بإعطاء شيء من هذه التأثيرات، وأن الأحوال السائدة في الجزيرة العربية قبل الإسلام وإبان مجيء الإسلام شهدت دخول قبائل كثيرة من قبائل العرب في النصرانية، وإذًا فالمسلمون لا يمكن أن يتأثروا بشيء من هذه العقائد التي سوف يقابلونها في الحبشة.