سؤال آخر: الحبشة من حيث هي جزء من الإمبراطورية الرومانية، هل كانت هذه الحبشة وهل كانت الإمبراطورية الرومانية عمومًا؛ قادرة على اجتذاب اهتمام المسلمين القلائل الذين هاجروا إليها؟ وكان جوابنا في كل مرة عن هذين السؤالين بالسلب: أن لا.. ذلك كان من خلال تحليل تاريخي طويل لا أقول بأنه تحليل معمق بل أعترف بصراحة أنه كانت فيه فجوات وهي فجوات لا بد أن تكون نظرًا لطبيعة الوقت الممنوح للإنسان على المنبر، ولطبيعة الأحاديث التي تقال على المنابر، وللمستوى العلمي الذي يجب أن نراعيه حين نحدث الناس. نحن اليوم أمام أمر آخر يتعلق بنفس الموضوع... التفسير التاريخي يمكن أن يمارى فيه لأنه فهم والفهم يختلف باختلاف الطبائع واختلاف الأمزجة واختلاف الاستعدادات واختلاف التكوين الثقافي واختلاف الهوى الإنساني طالما أننا يمكن من خلال التحليل التاريخي ومن خلال تفسير الواقعة التاريخية أن نتعرض لتساؤلات فلنعامل المسألة على ضوء أكثر ثباتًا وأكثر رسوخًا هل كان يمكن من قبل النبي صلى الله عليه وسلم أن يفكر بأن يجعل من الحبشة دارًا ومستقرًا للدعوة؟ كما سارعنا في الجمعة الماضية بالنفي نسارع الآن أيضًا بالنفي على أساسين الأول: تاريخي صرف. والثاني تابع لقوانين النبوة وقوانين الدعوة بالذات ونبدأ بالمنظور التاريخي.
ذكرت لكم في الجمعة الماضية أن الهجرة إلى الحبشة كانت في رجب من السنة الخامسة للمبعث. والنبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة على رأس ثلاثة عشر عامًا من المبعث فبين الهجرة إلى الحبشة وبين الهجرة إلى المدينة ثماني سنوات، ماذا كان الموقف خلال السنوات الثمان التي مرت بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة لنضع في اعتبارنا القضية التي روج لها كتاب مسلمون لهم وزنهم ولهم اعتبارهم لنضع في اعتبارنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدف من هؤلاء المهاجرين إلى الحبشة أن يقودوا طليعة البعث إلى الحبشة لكي تكون الحبشة مقرًا ومنطلقًا للإسلام. بعد ذلك ماذا جرى، جرى أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يعالن الناس بالدعوة فبشر وأنذر ولم يترك وسيلة إلا سلكها من أجل إيصال البلاغ والبشارة والإنذار إلى الناس وكان يلقى ما يلقى صلوات الله عليه من صَدٍّ ومن تكذيب ومن مجابهة ومن أذى وكان يصبر.
لكن رد الفعل في المجتمعات لا يكون باستمرار آخذًا منحى الأذى فأنا أستطيع أن أضغط عليك فإذا أفلحت بالضغط عليك فكان بها، وإذا لم أفلح بهذا الضغط فَعليَّ أن أجرب وسيلة أخرى، والناس منذ كانوا يجربون هذه الوسائل إذًا لا أستطيع أن أجعلك توافقني على منهجي وعلى رأيي بالقوة وبالإرهاب فلأحاول أن أشتريك فلأحاول أن أرغبك وهذا كان لكي تعلموا أن هذا الأمر ليس بدعة العصر الحاضر؛ شراء الذمم وشراء الضمائر وقيادة الناس من باب المصالح والشهوات والأطماع الدنيوية شيء قديم رافق البشرية منذ كانت وعرفت الصراع بين الآراء والاتجاهات المتضاربة.
جاء الناس المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعرضون عليه الإغراء قالوا له:
إن كنت تريد مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد نساءً زوجناك ما شئت من نسائنا وإن كنت تريد ملكًا سودناك علينا أي جعلناك ملكًا علينا فلا نقطع أمرًا دونك.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على أن يبين لهم أنه رسول من الله إليهم. ونذير لهم بين يدي عذاب شديد، ثم نزل البلاء مرة أخرى وذهب من ذهب من المسلمين إلى الحبشة وَشَرِيَ الأمر وحَقِبَ بينهم وبين المسلمين وجاء الوفد القرشي المشرك إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وكافله وحاميه.. هذا كان بعد الهجرة إلى الحبشة قالوا له:
يا أبا طالب إن لك فينا سنًَّا ومنزلةً وشرفًا وإننا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه؛ فإما أن تكفه عنا وإما أن ننازلك وإياه حتى يهلك أحد الفريقين.
أي أن قريشًا أنذرت أبا طالب إما أن يكف محمد صلوات الله عليه عن الدعوة بتاتًا أو أنها هي الحرب المعلنة والتي لا تضع أوزارها إلا بفناء المسلمين أو فناء المشركين فجاء أبو طالب وكان رجلًا يحب عافية قومه لا يميل إلى العنف ويريد استبقاءهم فاستدعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له:
يا ابن أخي إن قومك جاءوني فقالوا كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
ماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجيب؟ يقينًا إن الزمان وقف في تلك اللحظة ليسمع الحكم عليه من شفتي محمد صلى الله عليه وسلم، في تلك اللحظة كانت الدنيا كلها معلقة على طرف لسان محمد صلى الله عليه وسلم، إن قال لا أخذت اتجاهًا معينًا، وإن قال نعم أخذت الدنيا اتجاهًا آخر، كان الرد بلا تردد:
يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه.