هو مطلب الآباء جميعًا ومرتجاهم وحلمهم في تربية أولادهم أن يصيروا آباء ناجحين، فيحسنون تربية أولادهم ويخرجون جيلًا حسنًا صالحًا يفخرون به ويشعرون بالسعادة للنجاح في تلك المهمة الشاقة.
ولشديد الأسف فإن كثيرًا ما يتمنى الآباء ذلك وهم في حالة أشد ما تكون بعدًا عما هو مطلوب منهم أن يطبقوه أو يكونوا عليه للوصول إلى مبتغاهم وهدفهم.
فالناظر المتفحص لأحوال الآباء وأساليبهم ليدرك كم هو مقدار ذلك البون الشاسع بين المرجو والواقع وبين الأمل والحال.
كيف أصبح أبًا ناجحًا ؟
للإجابة على سؤال كهذا نجد أنفسنا في حاجة إلى الوقوف عند عدة محاور هامة كالتالي:
أولًا: الفعل قبل القول:
لأهمية عنصر القدوة في حياة الناس ولكون الإنسان بطبيعته يحتاج إلى نموذج تطبيقي حي أمامه حتى يتصور الخلق المعين والسلوك الموجه فيصدق به ويتمثله في حياته، أرسل الله _تعالى_ المرسلين وأمرنا بالاقتداء بهم فقال _سبحانه_:"أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده"وقال عن النبي _صلى الله عليه وسلم_:"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر..."
إن الفعل أبلغ من القول، وفعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل، فالقول والعمل أهم من القول المجرد.. وكثير من يتكلم ولكن قليل من يفعل
يقول الأستاذ محمد قطب في منهج التربية الإسلامية:"القدوة الصالحة من أعظم المعينات على تكوين العادات الطيبة حتى إنها لتيسر معظم الجهد في كثير من الحالات ذلك أن الابن يحب المحاكاة من تلقاء نفسه وأطفال المسلمين يحاكون أبويهم في الصلاة حتى قبل أن يتعلموا النطق ويصبح تعويدهم عليها أمرًا سهلًا في الموعد المحدد"
ولعل من بركة توجيهاته -صلى الله عليه وسلم- لصلاة النوافل في البيوت وألا يجعلها الناس قبورًا فضل كبير الأثر في إقتداء الأولاد بذلك، فقد روى أبو داود أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال:"خير صلاة الرجل في بيته إلا الصلاة المكتوبة"وقال:"تطوع الرجل في بيته يزيد عن تطوعه عند الناس كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده"صحيح الجامع.
والأبناء في استقائهم الخلق وتشربهم بالسلوك لا يقنعون بالظاهر منها فحسب، بل يتعدون ذلك إلى مستويات أعمق بكثير مما يظن الآباء.
فالأب يعيش في بيته على طبيعته بغير تكلف، وهو الأمر الذي يجعله يتصرف بما وقر في حقيقته وداخليته والولد يقلد أباه فيما رآه منه على الحقيقة لا على التكلف والأبناء يلحظون الصغير الدقيق من السلوك والأخلاق كما يلحظون كبيرها وتؤثر فيهم صغائر الأحوال كما تؤثر فيهم كبائر الوقائع.
ثانيًا: رحمة الأب تولد الاستقرار النفسي لدى الابن:
الأب الناجح هو الأب الرحيم العطوف بأبنائه وأسرته الذي يمنحهم الحب والعطف والحنان ويشملهم برعايته ويحتويهم بقلبه الكبير ويشعرون معه بالسعادة والآمان.
والأب القاسي هو المتسبب الأول في الأمراض النفسية لدى أبنائه والمشجع الأول على الأمراض القلبية لهم من غل وحقد وحسد وحب ذات وغيره .
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- خير قدوة في رحمته وعطفه وملاطفته الصغار وملاعبتهم والتبسط معهم والتحبب إليهم وعدم العبوس في وجوههم، فقد روى مسلم عن عبد الله بن جعفر:"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحمل أحدنا بين يديه والآخر خلفه حتى يدخلنا المدينة".
وروى ابن ماجة عن يعلى بن مرة"خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعينا إلى طعام فإذا حسين يفر ههنا وههنا ويضاحكه النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فأس رأسه فقبله".
وروى الشيخان قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من وجد أمه من بكائه".
ومن الآباء من لا يراعى الرحمة مع أبنائه ولا الرقة في معاملتهم فيكون أشد عليهم من الغرباء فيترك في أنفسهم جروحًا غائرة لا تزول ولا بمرور السنين روى البخاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل الحسن وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن عندي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"من لا يَرحم لا يُرحم"وقد قال الله _سبحانه_:"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (آل عمران: من الآية159) .
ثالثًا: ومن يك حازمًا فليقسُ أحيانًا على من يرحم:
فقد روى مسلم عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم- قوله:"إن الله يحب الرفق ويعطى على الرفق مالا يعطى على العنف ومالا يعطى على سواه".
وقال _صلى الله عليه وسلم_:"إن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم الرفق"صحيح الجامع.