فهرس الكتاب

الصفحة 6909 من 27345

الخطاب الدعوي في السودان د. إسماعيل محمد حنفي*

مقدمة:

الحمد لله القائل: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني و سبحان الله و ما أنا من المشركين) ( [1] ) . و القائل: ( ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله و عمل صالحًا و قال إنني من المسلمين) ( [2] ) .

و أصلي و أسلم على رسول الله محمد بن عبد الله القائل: ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، و من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا) ( [3] ) .

إن الدعوة إلى الله هي السبيل الواضح لبسط الخير و درء السوء، و لكسب الثواب و تجنب العذاب و العقاب، و هي أداة التغيير الحقيقية في المجتمعات، و لذا كان المنهج المتبع في خطابها محتاجًا إلى ضبط و مراجعة و تقويم، و كذا الوسائل و الأساليب المستخدمة تحقيقًا لذلك المنهج ذي الأهداف الربانية.

و يأتي هذا البحث الموجز ليسلط الضوء على منهجية الخطاب الدعوي و أساليبه و وسائله بالتطبيق على الواقع الحالي في السودان، الذي ربما لا يختلف كثيرًا عن واقع البلدان الإسلامية الأخرى، و لكن لعل التناول لهذا الواقع يأتي في سبيل تقويم هذا الخطاب في ظل المتغيِّرات التي تمر بالسودان مما لا تخطئه عين.

حيث يستدعي ذلك مراجعة المنهج و ضبطه وفق الأصول الشرعية التي تدعو إلى تمسك بالأصل و مسايرة للعصر، تمسك بالمضمون و المبادئ و الأسس، و مرونة في الوسائل و الأساليب للوصول إلى أهداف ذلك الخطاب الدعوي.

و أتناول الموضوع من خلال مبحثين و خاتمة:

المبحث الأول: أتحدث فيه عن منهجية الخطاب الدعوي في السودان، معرِّفًا في المطلب الأول بالمنهجية في الدعوة، ثم مؤصلًا لهذه المنهجية تأصيلًا يعين على استيعاب الملاحظات المذكورة على الخطاب الدعوي الحالي و الذي أتناوله في المطلب الثاني ملخصًا أهم السمات و الملاحظات.

المبحث الثاني: أتناول فيه وسائل و أساليب الخطاب الدعويفي السودان، معرِّفًا في المطلب الأول بالوسائل و الأساليب، ثم مؤصلًا لها وفق ما ذكره أهل العلم في ذلك، بما يمكن من النظر المناسب لواقع الخطاب الدعوي في السودان من خلال الوسائل و الأساليب المستخدمة: ملامحها و سماتها و ما لها و ما عليها.

خاتمة: ألخص فيها أهم ما توصلت إليه من نتائج، ثم أهم ما رأيته من توصيات.

المبحث الأول: منهج الخطاب الدعوي في السودان

المطلب الأول: المنهج في الدعوة: تعريف و تأصيل

أولًا: تعريف بمنهج الدعوة:

(أ ) المنهج في اللغة ( [4] ) : مادتها (نهج) ، يُقال: نهج ينهج نهجًا. و هو الطريق البيِّن الواضح، و يطلق علي الطريق المستقيم. و المنهج و المنهاج بمعنى واحد.

(ب ) في الاصطلاح ( [5] ) : السبيل و السنة، و هو قول بن عباس - رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى (لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا) ، و هذا مرويٌّ كذلك عن مجاهد و عكرمة و الحسن البصري - رحمهم الله - و غيرهم.

إذًا عندما نقول المنهج في الدعوة فإنما نريد الطرق و السبل المسلوكة في تبليغ الدعوة إلى الله، و قد جاء في الحديث: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون .... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) ( [6] ) .

ثانيًا: مشروعية المنهج في الدعوة:

إن كنا نتفق على أهمية الدعوة إلى الله و وجوبها انطلاقًا من النصوص العديدة في القرآن و السنة مثل: (و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون) سورة آل عمران، الآية (104) .

و إن كنا نتفق على ما ندعو إليه ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني و سبحان الله و ما أنا من المشركين) سورة يوسف، الآية (108) ، إلا أننا نجد أن الاختلاف وارد في المنهج المسلوك في هذه الدعوة، و لا إشكال في ذلك ما دام أن الاتفاق حاصل حول الأسس و المبادئ و المضمون، (فمضمون الدعوة و جوهرها لا يتغيَّر، و حقائق الدعوة و مبادئها لا تتبدل، بل تبقى ثابتةً على اختلاف الزمان و المكان والظروف و الأشخاص. إن هذه الأمور غير خاضعة للتغيير أو التبديل أو الاجتهاد أو النسخ، لأننا لسنا نحن الذين أفردناها أو اخترناها، بل إن الله رب العالمين- سبحانه- هو الذي تكفل بإفرادها و اختيارها و بيانها لنا، و طالبنا أن نلتزم بها و أن لا نخرج عنها، و الداعية مطالب أن يبلغها كلها للناس، و إن لم يفعل فما قام بالمطلوب و لا بلغ الرسالة.. و يحرُم عليه أن يخفي واحدة منها، أو يؤجل أو يعطل واحدة، أو يحرف في معنى واحدة، أو يستحي من الجهر بواحدة. إن الداعية مطالب بالصدع بالأمر، و الجهر بالحق، و القيام بالواجب.

مضمون الدعوة ثابت، و حقائقها راسخة، و كل من اعتدى عليها لينال رضاء الناس و القبول لديهم، فقد خان الأمانة و نقض العهد و باء بسخط من الله (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ليشتروا به ثمنًا قليلًا فويل لهم مما كتبت أيديهم و ويل لهم مما يكسبون) سورة البقرة، الآية (79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت