فهرس الكتاب

الصفحة 6908 من 27345

وقد حدثت تحولات كبيرة ومهمة أثرت في وجهة الحضارات والمجتمعات وغيّرت من الموارد والعلاقات مثل المعلوماتية والاتصالات وتداعياتها على الدول والمجتمعات والتعليم والعلاقات الدولية والاقتصادية والاجتماعية، وكانت هذه التغيرات على درجة كبيرة من الأهمية والتأثير تستدعي فكرًا جديدًا ودراسات جديدة للإحاطة بمتطلباتها وتحدياتها وفرصها وفهم البيئة الجدية المحيطة بالعمل الإصلاحي والعام ومدخلاته المتغيرة والكثيرة، وقد شغلت مؤسسات ومراكز بحثية كثيرة جدًا بفهم وتقدير هذه التحوّلات والظواهر الجديدة كالعولمة على الدول والاقتصاد والقوى العالمية وإستراتيجياتها، ولكني لا أعلم عن دراسات ومؤتمرات لفهم وتقدير اتجاهات وآفاق الدعوة الإسلامية في عصر المعلوماتية والعولمة.

هذه التغيرات المهمة والمؤثرة تعيد صياغة المجتمعات والدول على أسس جديدة، وهي تحوّلات تقتضي إعادة تكييف دور الأمة والمؤسسات والأفراد، واختبار الفرص والتحديات الجديدة.

إن امتداد العمل الإصلاحي إلى العمل السياسي جعل الحركة الإسلامية الواحدة تشتغل بالمشاركة السياسية والنيابية والعمل النقابي والدعوي والخيري، وهذا أدّى إلى فساد واستبداد واحتكار للعمل العام وصدام مع الحكومات بدلًا من التنسيق وضياع الجهود وتكراراها، وتوظيف للعمل العام لأغراض ومصالح حزبية وشخصية، وأفقد الحركة الإسلامية مصداقيتها ونزاهتها.

فالانتشار الإسلامي يجب أن يكون مصحوبًا بالامتداد الأفقي للأمة والمجتمعات بأسرها حتى لا يرهن العمل الإسلامي لصراعات ومصالح ورؤى صغيرة، وأن يتحول العمل من تنظيمات وجماعات إلى أمة ومجتمعات.

والحركة الإسلامية مدعوة لمبادرة ذاتية تقوم بها بنفسها قائمة على شبكية العمل الإسلامي وليس هرميته، ومجتمعيّته وليس تنظيميّته، فتجري انسحابًا لمشاركة غيرها وفصلًا تامًا وحقيقيًا في القيادة والعمل بين العمل السياسي الحزبي وبين العمل النقابي والخيري والعمل الدعوي، ولا يعقل أن تقع قيادات الحركة الإسلامية فيما يفترض أن تكافح من أجل محاربته من احتكار وسيطرة، فترى القائد قائدًا في العمل الخيري والدعوي والسياسي

والنيابي.

وقادة الحركة الإسلامية بسلوكهم هذا لا يقعون في زلل الاستبداد والاحتكار فقط، ولكنهم أيضًا يجعلون الحركة الإسلامية هدفًا معزولًا يسهل إصابته وتصفيته، ويجعلون مغانمهم الشخصية قضية الأمة أو قضية إسلامية ينتظرون من الناس أن يؤيدوهم بها، ويسهّلون على الحكومات ضرب العمل الإسلامي تحت غطاء محاربة التجاوزات القانونية والسياسية.

إن هذا الفصل الإجرائي في التطبيق، والذي يبدأ بالفصل بين المجالات المختلفة للعمل من سياسي ونقابي وخيري ومؤسسي وحكومي يحول ملكية العمل الإسلامي وخبراته وتجاربه إلى المجتمع بأسره أو أكبر قدر ممكن منه، ويقلل من عقلية الاحتكار والوصاية وعدم الثقة بالآخرين، ويحمي الحركة الإسلامية من العزلة، ويجعل الحالة الإسلامية أكثر تجذرًا وانتشارًا في المجتمع، وليست مسألة تخص تنظيمًا أو جماعة بعينها.

فمسؤولية العمل والدعوة والإصلاح منوطة بكل مسلم بل جميع المواطنين حتى غير المسلمين منهم، وليست حكرًا على أفراد أو فئة من الناس، ووظيفة الحركة الإسلامية أن تحشد جميع الناس والفئات في مشروعها الإصلاحي وليس منافستهم المغانم والمواقع والفرص، وكلما تراجعت المصالح الذاتية والتنظيمية تزيد المصداقية والقبول.

وأدّت التحوّلات الكبيرة في المجتمعات ودور الدولة والنمو الكبير للصحوة الإسلامية إلى أولويات ومجالات جديدة للعمل الإسلامي قد يكون تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة وتقرير التنمية الإنسانية العربية من مؤشرات اتجاهاتها، مثل تحريك الدوافع الثقافية والخبرات المجتمعية في التنمية والنهوض وإعادة تنظيم المجتمعات والمؤسسات باتجاه تحقيق الاحتياجات الأساسية كالعدل والمساواة والأمن والغذاء السليم والدواء والمأوى والتعليم والتعليم المستمر والانتماء والمشاركة بأقل التكاليف الممكنة وبأفضل مستوى، والتعامل الصحيح مع مرحلة الخصخصة وتغير دور الدولة وربما مفهومها، وهذا يجب أن يدفع العمل الإصلاحي إلى أوعية جديدة وأولويات تتفق مع هذه المتغيرات والاحتياجات، وكما كانت الحركات الإصلاحية مرتبطة بمقاومة الاحتلال والتحرر والاستقلال انسجامًا مع أولويات المرحلة فإنها في هذه المرحلة مدعوة إلى بذل الجهد والاهتمام بالتنمية الإنسانية والاحتياجات الأساسية، وبخاصة أنها أعمال وبرامج وأولويات تتفق مع خبراتها وإمكاناتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت