فهرس الكتاب

الصفحة 13102 من 27345

د. عبد العزيز القارئ 25/2/1424

قال تعالى: ( أُذِنَ للذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلاَّ أَنْ يًقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَولاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضًهُمْ بِبَعضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز * الَّذينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَ آتَوُا الزَّكَاةَ وَ أَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) [ 39-41 / الحج ] .

هذه الآيات الثلاث رسمت المنهج الكامل للجهاد والدعوة ففيها الكفاية والغنية لمن تدبر وكان فقيهًا:

وموضوعنا في هذا الفصل الآية الأولى، وهي أول آية نزلت في القتال كما قال غير واحد من السلف منهم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه وقال رضي الله عنه: نزلت في محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ حين أُخرجوا من مكة (1) .

وهذه الآية نزلت في طريق الهجرة لما أَخْرجت قريشٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، صح ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.

فقد روى الترمذي والنسائي وأحمد رضي الله عنه قال:

لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر: أَخْرَجُوا نبيَّهم إنا لله وإنا إليه راجعون لَيَهْلِكُنَّ. قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل: ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) .

قال أبو بكر رضي الله عنه: فعرفْتُ أنه سيكون قتال (2) .

هذا التوقيت في نزول الإذن بالقتال حكمته الكبرى أن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، وكانت بادرة ذلك بيعة العقبة الثانية فإنها كانت عقدا ًسياسيًا على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقتال تحت قيادته، وتسليم مقاليد السلطة له.

بهذه البيعة بدأت مرحلة الدولة النبوية، فكان نزول الإذن بالقتال وهو في طريقه لمقر الدولة لِتَسَلُّم السلطة.

فإذا أضفنا لهذه الحقيقةِ الحقيقةَ السابقة عليها وهي مَنْعُ النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة الدعوة بمكة منعًا صارمًا حاسمًا من القتال مع شدة العدوان الواقع عليه وعلى أصحابه؛ فإننا نقرر بلا أي تردد أن القتال ليس من أعمال الدعوة لكنه من أعمال الدولة.

معنى هذا الكلام أنه عندما يكون أهل الدعوة في مرحلة البيان والبلاغ والتكوين؛ لا سلطة بأيديهم، ولا قوة تسندهم، ولا دولة تتولى نصرتهم وحمايتهم حتى يُبَلِّغُوا أَمْرَ ربهم، فلا يجوز أن يمارسوا القتال ولو دفاعًا عن أنفسهم ضد القهر والاضطهاد والإيذاء بل الواجب عليهم الصبر والمصابرة والدفع بالتي هي أحسن، وتحاشي الصدام المسلح . .

ولكن ليس معنى هذا أن يُسْقِطوا الجهادَ من شريعة الإسلام كما يفعله اليوم بعض ( دراويش الأعاجم ) ، بل يجب على أهل الدعوة بيان شريعة الجهاد، وبيان سياسة الإسلام، والبحث عن النصرة والمنعة، أي عن سلطة تنصرهم وتتبنى دعوتهم، وتتولى الإعداد للجهاد ، هذا لا يتعارض مع الصبر والكف عن القتال..

لكن لا يُتَصور في عرف الشرع قتالٌ بلا دولةٍ إسلامية، ونعني به جهادَ ( البَدْء ) أما جهاد (الدفع ) فشأنه مبني على دفع المفسدة، فلو دُفِعَتْ بغير القتال لا يَجُوز القتال، ولو كان تَرْكُ جهادِ الدفع أعظمَ مفسدةً وجب الجهاد والقتال.

كما هو حال المسلمين اليوم، هم في ضعف شديد، وتفكك بالغ ولا قيادة مؤهلة حسب شروط الشرع ، والقيادات أيضًا متنازعة، فكيف يقوم جهاد من أي نوع والحال هذه ؟

المسلمون اليوم في حالة الدفاع عن النفس، ولا يجوز أن يلجأوا إلى القتال إلا إذا ثبت أن المصلحة فيه راجحة على المفسدة، وهذا يحتاج إلى فقهاء وعلماء ربانيين يقررون ذلك..

أما جهاد البدء فلا يجوز إلا بوجود دولة إسلامية شرعية تتبنى الجهاد وتعد له الإعداد الكاف...

ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو النبراس في ذلك:

مع كفِّه عن القتال فإنه كان يبحث عن النصرة والمنعة؛ يعرض نفسه ودعوته على القبائل في الموسم؛ باحثًا عَمَّن يصدقه وينصره ويمنعه حتى يبلغ رسالة ربه (3) .

فالدعوة تمر بمراحل منطقية (4) تتوافق مع طبائع الأشياء وسنن الله في الكون؛ تبدأ أول ما تبدأ سِرِّية، ثم تكون علنية، وتمر بمرحلة ( التكوين ) ، والعادة في سائر الدعوات أن هذه المرحلة لا يكون فيها قتال، وإلا فإنها تُسْتَأْصَلُ في مهدها؛ لأنها عادةً ما تكون ضعيفةً بلا قوةٍ تحميها وتمنعها، ثم تأتي مرحلة ( التمكين ) التي هي مرحلة ( الدولة ) .. وهنا تكون بيد الدعوة سلطة وقوة تستعملها للدفاع عن نفسها. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت