فهرس الكتاب

الصفحة 13103 من 27345

هذه مراحل منطقية وليست مراحل زمنية؛ أي ليس معناها أن الدعوة تحت أي ظرف من الظروف لا بد أن تمر بهذه المراحل بالترتيب والموالاة؛ بل قد تختصر المراحل أحيانًا، لأن العبرة بالحالة التي تمر بها الدعوة وأوصاف هذه الحالة، وحالةِ المدعوين وأوصافِهِم.

دعوة النبي صلى الله عليه وسلم استغرقت مرحلةُ التكوين فيها ثلاثَ عشرةَ سنة منها ثلاث سنوات من السرية..

لكن قد لا تستغرق دعوةٌ أخرى نفسَ المدة، بل أقلَّ منها، ودعوةٌ أخرى تستغرق أكثرَ، فإذا وَجَدتِ الدعوة في بعض الأمكنة النصرةَ والمنعةَ بعد سنتين أو ثلاث أو أقل، فهل لا بد من استغراق ثلاث عشرة سنة كما حصل لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ؟

كلا، فإن الزمن غير مقصود هنا، وإنما المقصود حصول المنعة، فإذا حصلت منذ وقت مبكر فإن هذا يساعد أكثر على التكوين والإعداد لكن التكوين والإعداد لا بد أن يكتملا قبل الجهاد، فلا تبادر الدولة التي تبنَّتِ الدعوةَ إلى القتالِ قبلَ ذلك وإلا فسوف تفشل، لأن هذين الأمرين من الثوابت الشرعية: ( أعدوا ) قبل ( جاهدوا ) ، بل إن هذه المسألة من البديهيات. .

قد تستغرق الدعوة في مرحلة التكوين تسعمائة وخمسين عامًا كدعوة نوح عليه السلام، ولم تصل إلى مرحلة التمكين حتى أهلك الله أعداءها بمعجزةٍ هي ( الطوفان ) .

لكن ( المعجزات ) هي من خصائص الأنبياء أولًا، ولا تأتي حتى للأنبياء إلا بعد أن يستوفوا (السنن ) الكونية ثانيًا، وتسعمائة وخمسون سنة مدة ليست بالقصيرة حتى نقول إنه لم تُستوفَ فيها شروطُ ( التمكين ) . .

وربما لا يأتي ( التمكين ) في الجيل الذي بدأت فيه دعوة النبي، فيلقى النبي ربه قبل ذلك. .

قال صلى الله عليه وسلم:"عُرِضت عليَّ الأمم فرأيتُ النبيَّ ومعه الرُّهَيْط، والنبيَّ ومعه الرجل والرجلان، والنبيَّ وليس معه أحد .. الحديث ) (5) ."

فهل يقال في هذا النبي الذي لم يتبعه أحد إنه فشل في دعوته ؟! كلا فإن مهمة النبي الأساسية البلاغ والبيان، والبحث عن النصرة، فإن لم يجد ذلك فقد تحققت مهمته بمجرد التبليغ والبيان ( ما على الرسول إلا البلاغ ) [99/المائدة ] ( وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ) [ 20/آل عمران ] نريد أن نقول: إن الذين بحثوا عن التمكين قبل التكوين أخطئوا، وإن الذين سعوا إلى الدولة الإسلامية على حساب الدعوة أخطئوا خطئًا"استراتيجيًا"، والذين سعوا إلى القتال قبل ذلك كله نقول إضافةً إلى ما ذكرنا: إنهم خالفوا طبائع الأشياء .

ومثل هؤلاء وأولئك الذين ظنوا أنه يجب أن يتحقق لهم التمكين، فإن لم يتحقق أساءوا بالله الظنون، وأصابهم الفتور والإحباط، هؤلاء وقعوا في أمرين: أولهما: تزكية النفس، فإنهم يحسبون أنهم على قصورهم والخلل الذي فيهم يستحقون التمكين، والله تعالى يقول: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) [ 32/النجم ] ، وثانيهما: أنهم لم يفقهوا هذه المسألة، فإنه لا يلزم أن يتحقق التمكين في نفس الجيل، قد يؤخر الله التمكين لحكمة يريدها إلى جيل قادم، كما حصل ذلك لكل نبي لم يتبعه أحد وجاء يوم القيامة وحده، مع أنه لم يقصر في أداء رسالته . .

المهمة الأساسية"الاستراتيجية"هي الدعوة، هي البيان والبلاغ وتعليم الناس دين الله، وتعليمهم شرائع الدين وآدابه حتى يعرفوا كيف يعبدون الله ، وكيف يحيون على منهج الله .

والقتال وسيلة لحماية هذه الدعوة كما دلت عليه الآية الثانية من الآيات الثلاث التي صدَّرنا بها هذا الفصل، فهل نقلب الوسيلة إلى غاية، وننشغل بها ولو أدّت إلى القضاء على الدعوة ؟!

المقالة التالية

( مفهوم الجهاد ) (1) تفسير ابن كثير ( 3/ 237 ) .

(2) رواه أحمد والترمذي والنسائي

وغيرهم / انظر تفسير ابن كثير ( 3/ 237 ) وحاشية الأرنؤوط على جامع الأصول (2/244 ) .

(3) أحمد ( 3/ 492 ، 4 / 341 ) .

(4) نقصد بالمنطقية أنها متوافقة مع المنهج ومع السنن الكونية ، فهذا الوصف يمكن أن نضع مقابله أو ضده ( الفوضوية ) .

(5) مسلم في الإيمان [ج1 / ص 199 / من طبعة عبد الباقي ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت