فهرس الكتاب

الصفحة 18041 من 27345

بسم الله الرحمن الرحيم

ووجوب الحكم بما أنزل الله

الحمد لله رب العالمين، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

فإن عقيدتنا تقوم على ركنين أساسيين، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وهذان الركنان هما، الولاء والبراء، ويدلنا على ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين ) . (36) النحل.

وهذا ما تدل عليه كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله سبحانه، فتضمن المعنى نفيًا وإثباتًا، فالنفي - لا إله - فهذه الجملة تدل على نفي الألوهية مطلقًا، والإثبات - إلا الله - وهذه الصيغة من أقوى أساليب الحصر، فأنت حين تقول: الله معبود، لا تنفي وجود معبود غيره، لأنك أتيت بالإثبات دون النفي، أي أثبت أن الله معبود مع عدم نفيك هذه الصفة عن غيره، أما إذا قلت ، لا معبود إلا الله، فأنت نفيت عن غيره هذه الصفة، والفرق بين المعنيين واضح.

وعلى ذلك تقوم عقيدة المسلم، على النفي والإثبات، قال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْد مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . (256) البقرة

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن باللّه فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها واللّه سميع عليم ) أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون اللّه، ووحَّد اللّه فعبده وحده، وشهد أن لا إله إلا هو ( فقد استمسك بالعروة الوثقى) ، أي فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم. قال عمر رضي اللّه عنه: إن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه وإن كان فارسيًا أو نبطيًا. ومعنى قوله في الطاغوت إنه الشيطان، قوي جدًا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية: من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها.

وقوله تعالى: ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) ، أي فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم هي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد، ولهذا قال: ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ) الآية، قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان، وقال السدي: هو الإسلام، وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني ( لا إله إلا الله ) وعن أنَس بن مالك: العروة الوثقى القرآن، وعن سالم ابن أبي الجعد قال: هو الحب في اللّه والبغض في اللّه، وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها. أهـ تفسير ابن كثير.

فهذه الآية الكريمة تدل على حقيقة تقوم عليها عقيدة أهل الإيمان، فقد بين الله سبحانه أن الذين يكفرون بالطاغوت، ويؤمنون بالله، قد استمسكوا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والعروة الوثقى، هي كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، وهذه الآية متضمنة لمعنى الشرط، أي الذي يكفر بالطاغوت ـ ويؤمن بالله، فهذا الذي استمسك بالعروة الوثقى، وما يدل عليه مفهوم المخالفة، أن الذي لا يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، لم يستمسك بالعروة الوثقى، وعليه أصبح الاستمساك بالعروة الوثقى له شرطان:

الأول: الكفر بالطاغوت.

الثاني: الإيمان بالله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت