فهرس الكتاب

الصفحة 12644 من 27345

د. عثمان قدري مكانسي

المتأمل في سَوْق القصة يجدها جوابًا لما ذُكر في افتتاحية السورة ودليلًا على صحته وإمكانِ حدوثه . ففي المقدمة أولًا: تنبيه إلى العقاب الشديد للكافرين"لينذر بأسًا شديدًا من لدنه"وفيها ثانيًا: مدح وبشرى لمن آمن وعمل صالحًا"ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا". وفيها ثالثًا:أن الحياة دار ابتلاء:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملًا"وفيها رابعًا: أنه سبحانه يعيد الأرض كما كانت لا نبات فيها ولا عمارة:"وإنا لجاعلون ما عليها صعيدًا جُرُزًا". وجاءت القصة تحمل في حناياها آدابًا تربوية رائعة نجملها فيما يلي:

1-ليس في قصة أصحاب الكهف عجب ، فقدرة الله تعالى لا حدود لها ، وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس . ولئن عجب الكفار من بعثهم بعد الموت إن الأنبياء وأولي البصائر يدركون قدرة الله عز وجل ، فيزيدهم ذلك إيمانًا"أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبًا ؟"

2-اللجوء إلى الله تعالى سمة المؤمن ، فهوسبحانه عونه ونصيره"ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا"فلما لجؤوا إليه داعين ، وأسلموا قيادهم له سبحانه واعتمدوا عليه آواهم الله وحفظهم إذ دلهم على الكهف ، وأغدق عليهم مما طلبوا من الرحمة والهدى والرشاد"فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ، ويهيئ لكم من أمركم مرفقًا"ولا حظ معي التوافق بين الإيواء إلى الله سبحانه ونشر الرحمة . وهكذا العلاقة بين العبد وربه . ومن لجأ إلى ربه واعتمد عليه ثبته الله وأيده"وربطنا على قلوبهم".

3-القصة في القرآن حق لا مراء فيه"نحن نقص عليك نبأهم بالحق"وقد ادعى طه حسين أن قصة إبراهيم وغيرها في القرآن ليست على سبيل الحقيقة إنما على سبيل العبرة والعظة فقط . وهو بذلك ينفي حقائق التنزيل"نحن نقص عليك أحسن القصص"وأحسن القصص ما كان حقيقة . وعلى هذا نفهم قوله تعالى"إن هذا لهو القصص الحق"فما ورد في القرآن الكريم حق لا مراء فيه .

4-للشباب الدور الكبير في نشر الدعوة والذود عنها . فإيمان الشباب اندفاعي قوي"إنهم فتية آمنوا بربهم ، وزدناهم هدى"ويصدعون بالحق"إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض"ويعلنون دعوة التوحيد بثبات"لن ندعو من دونه إلهًا"من أشرك فقد تطاول على الحق وابتعد عنه"لقد قلنا إذًا شططًا". وهنا نلحظ في كلمة الشطط التشنيع على المتطاولين الذين يغيرون الحقائق وينشرون الباطل .

5-لا بد لكل فكرة أو مبدأ من دليل أو برهان وإلا سقط في أول لقاء"لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن"وإذا لم يكن هناك حجة قوية أو دليل ساطع فهو ضعيف ، ولن تقنع أحدًا بفكرتك إن لم تؤيدها بالنور الساطع الذي يكشف الغشاوة عن العيون وينير سبيل الحق . أما فرض الفكرة بالقوة والإرهاب المادي فدليل على الإفلاس وضحالة ما تدعو إليه وُيعَدّ افتئاتًا عل الحق وظلمًا له"فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا"فالميل عن الحق افتراء على الله وتضليل للناس .

6-يعلمنا الله تعالى بقوله:"فأووا إلى الكهف"اعتزال الناس في الفتن ، وقد يكون مرة في الجبال والشعاب ، ومرة في السواحل والرباط ، ومرة في البيوت وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يأتي على الناس زمان يكون خير مال الرجل المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن"... ولعل هذا يكون في آخر الزمان عند مجيء المسيخ الدجال ، أو عندما تشتد الفتن وتطغى . وقد جاء في الخبر:"إذا كانت الفتنة فأخفِ مكانك وكُفَّ لسانك"ولم يخص موضعًا . . ومن هذا نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر حين سأله: ما النجاة يا رسول الله ؟"يا عقبة أمسك عليك لسانك ، ولْيسعْك بيتُك ، وابك على خطيئتك"

وقد جعلت طائفة العلماء العزلةَ اعتزالَ الشر وأهله بقلبك وعملك إن كنت بين أظهر الناس . قال ابن المبارك رحمه الله في تفسير العزلة: أنْ تكون مع القوم ، فإن خاضوا في ذكر الله فخض معهم ، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت . وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام - من مراسيل الحسن-"نعْمَ صوامع المؤمنين بيوتهم"اي وهم في مجتمعهم يدعونهم ويتعرضون إليهم بالنصح والموعظة ، فإن اشتدوا عليهم أوَوْا إلى بيوتهم ، ثم عاودوا الكرّة . ويؤكد هذه الفكرة قول النبي صلى الله عليه وسلم:"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت