فهرس الكتاب

الصفحة 10073 من 27345

د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه 19/3/1427

الظاهرة هي: الحدث المتكرر بشكل يلفت النظر.

والكسوف بهذا المقياس: ظاهرة منذ السنوات العشر الماضية، والمقبلة كذلك (= بحسب الإحصاءات الفلكية) . فلا يمر عام إلا وفيه خسوف للقمر وكسوف للشمس، على الأقل لمرة واحدة.

هذه الظاهرة تسايرها ظاهرة أخرى: تعمل على إثبات العبرة والعظة بهذا الحدث. يمثلها: المشتغلون بعلوم الشريعة، والدعوة، والإصلاح.

تقابل هذه الظاهرة: ظاهرة ثالثة: تعمل على جعل الحدث نقطة استمتاع؛ لتبطل العظة والعبرة به. تمثلها: التيارات الليبرالية، والعلمانية.

فالناس أمام مثلث ينظرون وينتظرون: ظاهرة الكسوف.. والذين يعظون بها.. والذين يُمتِّعون الناس بها.

فأين الحقيقة؟. فالظاهرة حقيقة؛ فأي القولين في تفسيرها هو الحقيقة ؟.

الذين يعظون بهذا الحدث، وهذه الظاهرة: أكدوا على العلاقة بينها وبين الذنوب. وقالوا: هي علاقة ثابتة، يقينية، قطعية. ليست بظنية. دلت عليها:

-أولا: نصوص محكمة في ثبوتها، وفي دلالتها، من القرآن والسنة.

-ثانيا: قياس واستنباط شرعي صحيح.

-ثالثا: وقائع ثابتة.

-رابعا: دليل عقلي.

فكلها أشارت إلى أن هذه التغيرات سببها: فسوق بني آدم.

-أولا: النص الشرعي.

عن عائشة رضي الله عنها قالت:(خسفت الشمس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى المسجد، يجر إزاره، فصف الناس وراءه، ثم قام يصلي... وانجلت الشمس، ثم قام فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده.. فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة،.

ثم قال: لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وُعِدْته، حتى لقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، حين رأيتموني تأخرت..

يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله، أن يزني عبده، أو تزني أمته.

يا أمة محمد! لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا..

وقال: وأريت النار، فلم أنظر منظرا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء.

قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن ، يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرا قط)رواه البخاري. بتصرف

في هذا النص أوجه متعددة، ثبت بها العظة والعبرة في الكسوف:

-فأولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى خسوف الشمس: خرج يجر إزاره؛ وهي حالة الفزِع. فلو كانت الحادثة للمتعة لا للعبرة، فلم هذا الفزع ؟. ما عهد الفزع إلا في أمر عظيم، والعظيم هنا: علامة خوّف الله بها عباد، هي: الكسوف.

-وثانيا: صلاته عليه الصلاة والسلام. فلا يدعي أحد أنها صلاة شكر، على نعمة تمتّع بها، بل صلاة مستغفر يرجو الرحمة، ورفع العقوبة، يدل على هذا: ما جاء في خطبته من التحذير.

-وثالثا: قوله: (يخوف الله بهما عباده) . فهل التخويف للمتعة أيضا، أم من الذنوب ؟.

-ورابعا: أمره الناس إذا رأوا مثل هذا: أن يفزعوا للصلاة، وفي روايات أخر: للصدقة، والتكبير، والذكر، والاستغفار.. فقد أمرهم بالفزع، والفزع يكون لأمر عظيم. وبالطاعة أمرهم، فمن فائدتها: أنها تدفع العقوبة المترتبة على الذنب، كما قال تعالى:"وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون".

-وخامسا: رؤيته جهنم، يحطم بعضها بعضا، فما كان ليراها للمتعة، بل للتحذير والعظة.

-وسادسا: ذكره لأنواع من الذنوب في هذا المقام: كالزنا، وكفران العشير. فهذا لا يتناسب إلا مع كون الحدث عبرة وعظة؛ فلو كان الحادث عرضا، ليس له علاقة بالذنوب، فلم ينوه بذكرها ؟.

ثانيا: قياس واستنباط شرعي.

لله تعالى سنن كونية وشرعية. الكونية لها أسباب وآثار؛ فالشمس، القمر، والأرض، والنجوم، والسماء أسباب، لها آثارها:

-فالشمس سبب لحصول الليل والنهار، وهذا أثرها.

-والقمر سبب لابتداء الشهر ونهايته، وهذا أثره.

-والأرض سبب القرار، والسعي، والرزق، وهذا أثرها.

-والنجوم سبب الاهتداء، وهذا أثره.

-والسماء سبب في المطر، وهذا أثرها.

والآثار ليست منحصرة فيما ذكر. وقد جعل الله تعالى سنته الشرعية؛ وهي المنزلة على عباده بالوحي: مربوطة بهذه الآثار، التي كانت عن تلك الأسباب الكونية.

-فالصلاة موقوتة بطلوع الشمس، واستوائها، وغروبها؛ أي بأجزاء الليل والنهار، قال تعالى:"أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر..".

-والحج، والعدّة موقوتة بطلوع الهلال وغيابه؛ أي بالشهر، قال تعالى:"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج"،"والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا".

-والصيام عبادة موقوتة بالقمر والشمس؛ أي بالشهر وبالليل والنهار، قال تعالى:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه"."وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل".

-والقبلة للبعيد تعرف بالنجوم، قال تعالى:"وعلامات وبالنجم هم يهتدون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت