فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فهذه السنة الكونية قد ارتبطت بها السنة الشرعية، وكأن الصلة بينهما هي: المسلم؛ الذي استعمل الآثار الناجمة عن السنن الكونية ليقيم الشعائر، وبدونها لم يكن ليقدر على ذلك.
والمقصود: أن الأصل في هذه السنن: أن تسير وفق نظام ثابت، لا يتغير. فالليل والنهار، والشهر، والاتجاهات، واستقرار الأرض، ونزول الماء من السماء، وخروج الرزق من الأرض: كلها تسير بانتظام في أصل الأمر. ليتحقق بها عيش الناس، وإقامة المؤمنين عباداتهم.
غير أن بعضها قد يختل في بعض الأحيان، كالأرض قد يضطرب بعض أجزائها بفعل: بركان، أو زلزال، أو انهيار. والسماء قد تمسك ماءها عن أجزاء من الأرض. وبما أن هذه الأحوال عارضة، ليست أصلية؛ فإن العلماء يشتغلون بتفسيرها، والبحث عن عللها ؟.
وأكثرهم يفسرها بنظر جغرافي، أو فلكي بحت، دون أن ينفذ إلى أعمق من ذلك، رافضا فكرة السبب الخارج عن إطار الحدث، الذي ذكر في الأخبار الإلهية..؟!!.
أما المسلم فإنه ينظر في الحدث من كافة جوانبه: جغرافيا، وفلكيا، ويرجع إلى الخبر الإلهي، ليجد أخبارا قطعية، تحدد له الأسباب، كما في قوله تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون"،"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير"،"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون".
-وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إن ابتليتم بهن، ونزلن بكم، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سُلط عليهم عدو من غيرهم، فيأخذ بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم) . [رواه البيهقي، والطبراني في الكبير، حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص321، وانظر: الترغيب والترهيب 1/543]
في هذه الأخبار تنصيص صريح: أن سبب هذا الاختلال، من قلة المطر، والرزق، وظهور الفساد في البر، والبحر، والأنفس: اختلال التزام الناس بشريعة الله تعالى. وهو: ما اكتسبته أيدي الناس، من عدم إيمانهم، وعدم تقواهم، وتكذيبهم، ومنع زكاة أموالهم، ونقض العهد، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى. فقد ذكر هذه الذنوب، وجعلها المانع من سير شيء من النظام الكوني وفق أصوله المطردة.
والمعنى: أن الالتزام الشرعي يوجب الأثر الكوني الحسن. وعدم الالتزام يوجب الأثر الكوني السيء.
لكن ما علاقة هذا بالكسوف، وقد علم أن الكسوف ليس اختلالا، ينتج به عقوبة مباشرة كالزلازل؟.
يقال: الاختلال على نوعين:
-نوع يحدث عنه عقوبة مباشرة، كالزلازل، وليس منه الكسوف.
-ونوع هو آية على عقوبة قد تأتي، وربما رفعت بسبب توبة واستغفار، والكسوف من هذا.
فالعظة بالكسوف والخسوف يكون في أمرين:
-الأول: أنه علامة وآية على عقوبة؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يخوف الله بهما عباده) .
-الثاني: أنه في نفسه اختلال؛ فهو ظاهرة غير معتادة، بدليل: أنه يحدث من غير نظام مطّرد. فيحدث في شهر دون شهر، وفي سنة دون أخرى، بل في عقد دون عقود. ليس كالنهار والليل. وهذا يوجب التأمل في سبب هذه الظاهرة غير المعتادة ؟.
فالأصل عدم الكسوف، وهو طارئ. فإذا طرأ فللسائلين أن يسألوا عن السبب ؟.
هنا يجيب الشارع بوضوح: أنه الذنب. فالمسالم للشرع الإلهي، بفعل الطاعة وترك المعصية: تسالمه السنة الكونية. ومن لم يسالم، فلا يأمن من محاربة السنة الكونية له، فإنما هي خلق لله تعالى، تحت أمره.
ثالثا: وقائع ثابتة.
إن عمل الناس بشريعة الله تعالى ليس سببا في اتساق نظام الكون، وسلامته من الاختلال فحسب، بل هو سبب كذلك في كف شر كل ذي شر، إن استكملوا العمل بها؛ حيث إن الشرور عقوبات، فإذا انتفت أسباب العقوبات (= الذنوب) ، ولا تنتفي إلا بالعمل الكامل بالشريعة: انتفت الشرور. وإليكم الأدلة:
أولا: في الصحيح أن عيسى إذا نزل في آخر الزمان، لم يقبل من الناس إلا الإسلام، فلا يبقى في الأرض إلا مسلم، وحين ينتشر الإسلام في الأرض يزول الشر. فماذا يكون حينذاك ؟.
يخبر عليه الصلاة والسلام عن هذا العهد الخالي من الشر، بخلوه من الكفر، الذي هو أصل الشر، فيقول: