- (فيقال للأض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك،. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرِسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفآم من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم الفخذ من الناس) (مسلم كتاب الفتن باب ذكر الدجال) . وفي أثر آخر: ( وتقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم) . [مسند أحمد 2/406]
ثانيا: جاء في كتب التاريخ: أن البهائم كانت- في عهد عمر بن عبد العزيز - ترعى في مرعى واحد، لا يعدي الذئب على الغنم، ولا الأسد على البقر، ففي ليلة عدى ذئب على غنم، فقال الراعي:"إنا لله، ما أرى الرجل الصالح إلا هلك"، فنظروا فإذا هو مات في تلك الليلة. [البداية والنهاية (9/203) ] .
ثالثا: كان سفينة -مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم- يمشي إذ عرض له أسد، فقال:"يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله"، فهز الأسد ذنبه، وسار معه يحرسه حتى أوصله المعسكر ثم انصرف. [سير أعلام النبلاء 3/173]
رابعا: أنكر أحد الصالحين على أحد الخلفاء وأمره بالمعروف، فأمر به فألقي بين يدي الأسد، فكان الأسد يشمه ويحجم عنه، فلما رفع سئل فقال:"لم يكن علي بأس، قد كنت أفكر في سؤر السباع واختلاف العلماء فيه: هل هو طاهر أم نجس؟". [البداية والنهاية 11/185]
فهؤلاء لما تنقوا وتطهروا، وسالموا شرع الله تعالى، واستكملوا العمل به، ولانوا لأمر ربهم: لانت لهم هذه السباع، وأحبتهم الكائنات من حولهم، فلم يجدوا منها أذى ولا شرا .
إذًا هذا الكون بحوادثه، من: نزول الأمطار الطيبة، وطلوع الشمس من المشرق، وطلوع القمر من مطلعه، وسير الهواء بانتظام، وثبات الأرض، وإخراجها بركاتها، وغير ذلك: بقاؤه على هذا النحو الجميل المنتظم المرتب، مرهون بصلاح بني آدم.
فإن صلحوا: تنعموا بها، وبنظامها، وسنتها التي جعلها الله عليها.
أما إذا فسدوا، وحاربوا ربهم، وتعالوا واستكبروا، فإن سنة الكون تختلف وتتغير وتضطرب، فإذا اضطربت سنة الكون كان في ذلك شقاء بني آدم وعذابهم، في صورة:
-زلازل تُشقق وتُصّدع، وبراكين تحرق وتذيب، وأمطار تغرق، وأعاصير تجتاح وتهلك.
-وضيق في الرزق، والعيش، وشدة المؤونة، وجور السلطان.
-وكذا خسوف وكسوف: علامات وإشارات مخوفة، منذرة بشر قد يأتي.
وإذا كثر الشر في الأرض، حتى لا يبقى من يقول: الله ، الله. أذن الله لهذه الدنيا بالزوال، ومن مظاهر وعلامات الساعة الكبرى، المؤذنة بالقيامة: اختلال نظام الكون كله. فتطلع الشمس من مغربها، من ناحية ما كانت تغرب منها، ثم يخسف القمر، وتكور الشمس..!!.
-فالأرض محفوظة بالصالحين ، فلو خلت منهم، فليس بينها وبين اختلاف سنة الكون: حجاب.
دليل عقلي.
وإذا كانت النصوص الشرعية تثبت، فإن الدلائل العقلية لا تنفي، فإثبات أنها عبرة ثابت حتى بالعقل:
فإن العقل يقول: إذا جرى الشيء على سنته الطبيعية المعتادة (=المطردة) ، فهذا دليل: على أن كل شيء فيه منسجم ومتلائم. ويسمى هذا: أصلا؛ كطلوع الشمس وغروبها كل يوم، وبدء القمر هلالا أول الشهر، ثم اكتماله في نصفه، ثم عوده آخر الشهر. فإذا اختلفت سنته المعتادة، فتوقف، أو خالف طريقته، فهذا دليل على أن شيئا ما فيه قد تغيّر. ويسمى هذا: خلاف الأصل.
ويقال هنا: الأصل في الشمس والقمر، الذي هو سنته الذي يجري عليها: الكسوف أم عدمه ؟.
والجواب: أن سنة الشمس والقمر هو عدم الخسوف والكسوف. بدليل: أن ذلك يحدث بصورة غير منتظمة، ولا مطردة، كما يحدث الليل والنهار، أو الشهور، أو الفصول الأربعة.
ومما يدل على هذا: أن ما كان أصلا فغير ملفت، إنما الملفت ما كان خلاف الأصل. ولو كان هذا الحدث أصلا، لما وجدته ملفتا للنظر، والرصد، والتسجيل.
فإذا ثبت أن هذا الحدث خلاف الأصل، فشيء ما هو الذي أخرجه عن سنته. هكذا يقول العقل، ثم يقف، ليكمل الوحي الدور ليقول: إن الذي أخرجه عن سنته هو: ذنوب العباد.
الذين يُمتّعون بالحدث.
الذين يُمتّعون الناس بهذا الحدث، يفسرونه بأنه: ظاهرة، فلكية، طبيعية. تحدث بسبب مرور الأرض ما بين القمر والشمس ( = في حالة خسوف القمر) ، ومرور القمر ما بين الشمس والأرض (= في حالة كسوف الشمس) . لا علاقة لها بأحوال بني آدم، ولا بذنوبهم، بل هو جريان طبيعي.
ومما يدل على انتفاء العلاقة:
1-أنها تحدث في كافة الأرض، فتقع على المسلمين وغير المسلمين. ولو كانت عقوبة على الذنوب، فلم لم يستثن المسلمون ؟.
2-أن آلات الرصد قد رصدت كسوفات مقبلة إلى عقود: فهل لنا أن ندعي على أجيال لاحقة قد لا ندركها، ولن نعيش في زمانها: أنها مذنبة، وهذه العقوبات قد رصدت لها منذ الآن ؟.