فهرس الكتاب

الصفحة 10076 من 27345

ولأجل قناعتهم بانتفاء العلاقة بين هذه الظاهرة والذنوب: فإنهم جعلوا الحدث متعة، تستحق المتابعة، والملاحظة، والرصد، والترقب، وجمع الناس لها؛ ليفرحوا، ويستمتعوا، ويسجلوها كواقعة جميلة.

وهنا يقال: قولهم ظاهرة طبيعة يحتمل أمرين: مفسرة، ومعتادة.

فأما أنها مفسرة، فهذا صحيح، لكن أين المانع من الموعظة بها، كونها مفسرة ؟.

ألم يعظ الله تعالى عباده بأحداث كونية مفسرة، كالليل والنهار؟، فقال تعالى:

- {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} .

فاختلاف الليل والنهار آية على ذهاب الأعمار، وفناء الدنيا: أليس في هذا موعظة، بشيء مفسر ؟.

وللعلم: فإن كل حوادث الكون مفسرة. علم ذلك من علمه وجهله من جهله.

وأما أنها معتادة، فهذا غير صحيح؛ فالمعتاد (=المطرد) يجري في نظام واحد، يدركه الجميع، بغير حاجة إلى تعلم، كجريان الليل والنهار، والشهور، والفصول، فإنها مدركة من جميع الناس، عالمهم وجاهلهم.

وغير المعتاد فذلك الذي يجري على نظام غير مطرد؛ لذا لا يدرك إلا بالحساب، ولا يدركه إلا المختصون.

والكسوف والخسوف لا يجري على نظام مطرد؛ لذا فعموم الناس لا يعرفون أوقاته، إنما يعرفه المختصون، فثبت بذلك أنه غير معتاد (=خارق للعادة) .

وفي كل حال: فإن الله تعالى يعظ عباده بالحدث المعتاد (=المطّرد) ، كما في الليل والنهار. وبالحدث غير المعتاد (=الخارق للعادة) ، كما في معجزات الأنبياء.

فلو فرضنا أنه حدث معتاد، فليس في ذلك ما يمنع من الموعظة به.

وللعلم: فإن المعتاد (=المطرد) ، وغير المعتاد (=الخارق للعادة) كليهما له تفسير وتعليل. علمه من علمه، وجهله من جهله. فما خلق الله شيئا إلا بسبب وعلة.

وعن قولهم: أنه لو كان موعظة فلم عمّ المسلمين ؟.

فيقال: هذا مبني على أن المسلمين لا تشملهم المواعظ والعقوبات الإلهية. وهذا خطأ في التصور؛ فإن سبب الموعظة والعقوبة هو: الذنب. وهذا لا يسلم منه المسلمون، غاية ما في الأمر: أن الكافرين جمعوا مع ذنوبهم الكفر، أما المسلمون فليس في ذنوبهم هذا الذنب الأكبر، لكن لديهم ذنوب أخر. والمواعظ والعقوبات الإلهية ليست قاصرة على ذنب الكفر، بل حتى ما دون ذلك. فقد قال تعالى عن هزيمة الصحابة رضوان الله عليهم في أحد، لما وقعوا فيه من مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم:

-"أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم".

وعن قولهم: أن من المحال رصد العقوبات قبل وقوع الذنوب ؟.

فيقال: هذا جهل بالغ بالأخبار الإلهية، التي تخبر أن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخسمين ألف سنة. وفيها كل ما يكون من حسنات وسيئات، وثواب وعقاب.

نعم العباد لا يرصدون، ولا يتألون على الله تعالى، لكن الله تعالى له أن يخبر بما شاء، ومما أخبر به عن طريق نبيه صلى الله عليه وسلم: أن الكسوف علامة على عقوبة، تدفع بالبر والطاعة.

فإذا علمنا عن خسوفات قادمة، حتى إلى قرن قادم، فذلك يعني أن أولئك الذين يحل بهم هذا الحدث سيقعون في العصيان والمخالفة، المستوجبة للنذارة.

وهذا مثل إخباره صلى الله عليه وسلم عن أشراط الساعة، وفيها مخالفات وعصيان، وعقوبات على ذلك.

فهذا الاعتراض قد كان يصح، لو أن الناس هم الذين فكروا، وادعوا. أما والخبر في هذا إلهي فلا مجال للاعتراض..!!.

-العظة في الكسوف.

إن الله تعالى يعظ عباده، إذا استحقوا العقوبة: بعذاب أدنى، فإن لم يتعظوا أخذهم بالعذاب الأكبر، والفرق بينهما: أن الأدنى تليه فرصة للتصحيح، والرجوع، أما الأكبر فلا فرصة بعده .!!. قال تعالى:

-"ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون".

-"وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون".

-"إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون".

والكسوف علامة على عذاب أدنى، فإذا لم تحصل الموعظة فالكبرى إذن، قال تعالى:"ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون * حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون".

وفي الكسوف والخسوف عظات، من أهمها:

أولا: أنهما علامة وتذكير بالقيامة، فقد أخبر تعالى عن القيامة، فمن أمورها: خسف القمر، وتكوير الشمس. وتكويرها يكون بذهاب نورها، وهذا ما يكون في الكسوف، قال تعالى:

-"فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر".

-"إذا الشمس كورت".

فعندما يحدث الخسوف والكسوف، فهذا علامة من علامات يوم القيامة، فالعظة والعبرة بهذا واجب، فعندما تتقدم علامة وآية من آيات القيامة، ليراها الناس قبل القيامة، فما معنى ذلك ؟.

هل يشك أحد أنها: تذكير، وتخويف ؟.

ثانيا: أنها تذكير بنعمة الله تعالى الدائمة على العباد بالشمس والقمر، فلا يخفى على أحد: أن مصالح الناس لا تتحقق إلا بوجود هذين القمرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت