التحرير*
حدث في رمضان
كان مصاب الأمة في رسولها -صلى الله عليه وسلم- جللا، ولا تستطيع كلمات أن تعبِّر عن محنة الأمة في فقده، ولم يحسم الموقف إلا رجل واحد، وهو الصديق رضي الله عنه؛ إذ قام فقرأ على الناس قوله تعالى:"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا…" ( سورة آل عمران: الآية 144) وتماسك أهل المدينة ومكة، ولكن قبائل العرب بدأت في الانقلاب على حكم الإسلام، وقد بدأ في أواخر عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ادعاء النبوة في اليمن وقبائل أسد، ونجد، وغيرها من قبائل العرب، وزاد عليها بعد وفاته رغبة قبائل أخرى في عدم أداء الزكاة، وحُسِم أمر رئاسة الدولة قبل أن يوارى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراب، وتولى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - الخلافة، وأصرَّ الصديق - رضي الله عنه - أن يبدأ خلافته بخطة محددة، ألا وهي اتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأن يقيم أمور الدولة كما كانت في حياته، فأنفذ جيش أسامة إلى شمال الجزيرة العربية، ورفض أن يقبل من القبائل العربية إسلامًا دون زكاة؛ واستطاع في أثناء غياب جيش أسامة أن يصدَّ هجومًا قامت به قبائل أسد وغطفان وفزارة على المدينة، ويعود جيش أسامة بعد سبعين يومًا، ويسارع الخليفة بقيادة هجوم معاكس على المحاصرين للمدينة ويقضي عليهم، ويشرع الخليفة في إعداد الجيوش لمواجهة القبائل المرتدة، يستوي من رفض أداء الزكاة، مع من كفر واتبع مُدَّعِي النبوة، وفي الوقت نفسه يرسل الرسل إلى هؤلاء جميعًا يحذرهم وينذرهم من مغبة ما أقدموا عليه، ويطالبهم بالعودة إلى صحيح الإسلام، وإلا ستضطر جيوش الخلافة إلى ضربهم بقسوة وعنف، ومع أوائل شهر رجب ينطلق أحد عشر جيشًا لمطاردة الفتن في كل أرجاء الجزيرة العربية، ويكون على رأس أحدها - وأهمها - سيف الله المسلول خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ويوصيه الخليفة بألا يتعجل القتال، وقد كانت وجهة خالد إلى أخطر وجهة، إلى القبائل التي حاصرت المدينة وأرادت القضاء على دولة الإسلام، وكان قائدهم هو طليحة بن خويلد الأسدي وكان قد ادعى النبوة، وقد ضمَّت جبهة الأعداء أشد وأشرس القبائل الحجازية، وهم أسد وغطفان وفزارة وطيئ وغيرهم، وقائدهم طليحة من أشد المحاربين وكان العرب يعدُّونه وحده بألف فارس.
جيش خالد
وتوجَّه خالد في جيش لا يزيد عن ثلاثين ألفًا، وإن كان به خيرة المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهم جميعًا - وتوجَّه خالد أولًا إلى طيئ؛ حيث كان في جملة جيشه حاتم الطائي وهو أكرمهم بلا منازع ومن سادتهم، وطلب الطائي مهلة مع قومه قبل قتالهم، واستطاع الرجل أن يردَّ قومه إلى الصواب، بل وجاء بهم إلى جانب جيش خالد مقاتلين معه، وبعث خالد بعيونه، وكانوا من أكرم الصحابة، وكان طليحة يترصد جيش خالد، فاستطاع طليحة أن يتعقب طلائع خالد ويقتلهم، وأثَّر هذا تأثيرًا سيئًا على جيش خالد، فانحاز بجيشه قليلًا إلى قبائل طيئ، وما إن استعاد الجند حماسهم، حتى انطلق بهم إلى عدوه في منطقة تسمى"بُزاخة"، وكان شهر رمضان قد أهلَّ على الجيش، فكان اللقاء بين الجيشين، وكان طليحة قد أعد عدته وجنده، واستعد خالد بجيشه، وكان اللقاء في"بُزاخة"في شهر رمضان على الأرجح - من عام 11 هجرية.
سيف الله المسلول
كان طليحة قد أعدَّ أربعين شابًّا من قبيلة بني أسد ودرَّبهم بنفسه، فاستطاعوا أن يطبقوا على ميسرة الجيش حتى ألصقوها بميمنته، فاضطرب جيش الخلافة، وأعاد خالد تنظيم الصفوف في سرعة، ولكن الشباب انطلقوا مرة ثانية من الميمنة إلى الميسرة، فتكرر اضطراب جيش المسلمين، فانطلق سيف الله، وحمل سيفين في يديه، وجعل وجهته هؤلاء الشباب، ونادى عليه قادة المسلمين أن"ارجع ولا تفجعنا في نفسك"، ولكنه ما كان ليرجع قبل أن ينفِّذ خطته، وشرع في قتال شباب طليحة، وانضم إليه بعض فرسان المسلمين لحمايته، ولم يتوقف سيف خالد عن العمل في رقاب فرسان طليحة حتى قضى على الأربعين جميعًا، وعاد نظام جيش الإسلام، وانطلقت الفرسان المسلمة تقضي على جذور الفتنة، وينادي أحد زعماء غطفان على طليحة"هل أتاك جبريل؟!"، فيرد طليحة في كل مرة أنه لم يأتِه، ثم في الثالثة قال:"قد جاءني جبريل وقال لي: إن لك رحا كرحاه وحديثًا لا تنساه"، فما إن سمع الرجل هذا الكلام، حتى نادى في الناس:"يا قوم انصرفوا فهذا والله كذاب، ما بورك لنا ولا له فيما يطالب"، وافترقت صفوف الكفر، ولكن طليحة بن خويلد استطاع الفرار، وقد تاب عن نبوءته وبايع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وخرج إلى الجهاد في سبيل الله.