فهرس الكتاب

الصفحة 6371 من 27345

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد: فقد ذكرنا في الحلقة الماضية بعض الأحاديث في صلة الأرحام , ومما يبين فضيلة صلة الرحم ماجاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"الصدقة على المسكين صدقة , وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة"أخرجه الترمذي من حديث سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه وحسنه ( [1] ) .

فهذا الحديث يبين لنا أن الصدقة على القريب لها أجران , وفي هذا حث على الإكثار من الصدقة على الأقارب .

ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قطيعة الرحم تمنع من قبول العمل الصالح حيث يقول"إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة , فلا يُقبل عمل قاطع رحم"أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( [2] ) .

فهذا وعيد شديد على قاطع الرحم , مما يدل على عظم هذا الذنب .

وأشد من ذلك في الوعيد على قاطع الرحم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا يدخل الجنة قاطع رحم"أخرجه الإمام مسلم من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه ( [3] ) .

ومما يبين عظم شأن صلة الرحم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بقي على صلة أقاربه من الكفار من ناحية المعروف والإحسان ومما يدل على ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول: ألا إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين"زاد البخاري في رواية له"ولكن لهم رحم سأبلها ببلالها", يعني أصلها بصلتها ( [4] ) ."

وقوله"أبي فلان"قال النووي: هذه الكناية من بعض الرواة خشي أن يصرح بالاسم فيترتب عليه مفسدة إما في حق نفسه أو في حق غيره ( [5] ) .

وهذا الحديث دليل على وجوب البراءة من الكفار وإن كانوا من الأقارب , فلا تجوز محبتهم ولا نصرتهم, ولكن قد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم صلة الرحم , وهذا الاستثناء له أثره الكبير في إبقاء حبل الوصل مع أقاربه , وهذا إضافة إلى أنه من صلة الرحم فإن له فائدة جليلة بالنسبة للدعوة , فإن بقاء هذا الخيط الذي يعرفونه ويقدرونه وهو البر والإحسان قد يكون سببا في إيمانهم بما أنكروه من دعوته .

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أبقى على صلته مع أقاربه وهم كفار فمن باب أولى لعموم المسلمين أن يبقوا على صلتهم بأقاربهم المسلمين وإن أنكروا منهم بعض السلوك , فالمسلم مأمور بإبقاء صلته مع أقاربه وإن كانوا كفارا وذلك بالإحسان إليهم والبر بهم , وقد جاء هذا المعنى واضحا في قول الله تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة: 8 ) (الممتحنة: 9 )

وقد طبق الصحابة رضي الله عنهم هذا التوجيه في معاملتهم مع أقاربهم من الكفار , ومما جاء في ذلك ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"رأى عمر حلة على رجل تباع فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ابتع هذه الحلة تلبسْها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفد, فقال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة , فأُتَيِ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها بحُلَل فأرسل إلى عمر منها بحلَّة فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلتَ فيها ماقلت ؟ قال: إني لم أكسكها لتلبسها , تبيعها أو تكسوها , فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم" ( [6] ) .

وكذلك ما أخرجه البخاري أيضا من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت:"قدمَتْ عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي ؟ قال: نعم صلي أمك" ( [7] ) .

ويبين النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة قطيعة الرحم وثواب صلتها في حديث واحد حيث يقول:"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب , وإن أعجل الطاعة ثوابا لَصِلةُ الرحم ,حتى إن أهل البيت ليكونون فجرة فتنموا أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا"أخرجه الطبراني من حديث أبي بكرة رضي الله عنه ( [8] ) .

وهذا يعني أن صلة الرحم تدفع العقوبة وتجلب المثوبة , ويمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لثواب صلة الرحم في الدنيا بنمو أموال المتواصلين وتكاثر عددهم وإن كانوا فجرة فكيف إذا كانوا أتقياء ؟!

( [1] ) سنن الترمذي , رقم 658 , الزكاة (3/47) .

( [2] ) مسند أحمد 2/484 .

( [3] ) صحيح مسلم , رقم 2556 , البر (ص1981) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت