محمد بن علي الشوكاني
قال الإمام المجتهد العلامة الرباني رئيس قضاة اليمن في وقته محمد بن علي بن محمد الشوكاني اليمني الصنعاني المتوفى سنة 1255هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنام وآله الكرام ورضي الله عن صحبه الأعلام. وبعد، فإنه وصل سؤال من بعض الأعلام الساكنين ببلد الله الحرام، وهذا لفظه:
(بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.
ما يقول فقهاء الدين وعلماء المحدثين وجماعة الموحدين في آيات الصفات وأخبارها اللاتي نطق بها الكتاب العظيم، وأفصحت عنها سنة الهادي إلى صراط مستقيم، هل إقرارها وإمرارها وإجراؤها على الظاهر بغير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تعطيل عقيدة الموحدين وتصديق بالكتاب المبين واتباع للسلف الصالحين؟ أو هذا مذهب المجسمين؟ وما حكم من أول الصفات ونفى ما وصف الله به نفسه ووصفه به نبيه وتأيد بالنصوص واتفق عليه الخصوص من أن الله سبحانه في سمائه مستوي على عرشه بائن من خلقه وعلمه في كل مكان؟ والدليل آيات الاستواء والصعود والرفع وقوله تعالى (ءأمنتم من في السماء) ومن السنة حديث الجارية والنزول وعمران ابن حصين وقوله صلى الله عليه وسلم (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟) وغير ذلك من الآيات المتوترة والأحاديث المتكاثرة، وأولَ الآيات وجعل الاستواء استيلاءً وأول النزول بالرحمة، وهكذا جعل التآويل عليه مطردة في سائر نصوص الصفات وعاش في ظلام العقل في الجهل والشبهات، وإذا قيل له أين الله؟ أجاب بأنه لا يقال أين الله؟ الله لم يكن له مكان، كما هو جواب فريقي المضلين، فهل هذا جواب الجهميين والمريسيين وأضلاء المتكلمين، أم اختيار علماء السنيين؟ أفيدونا بجواب رجاء الثواب، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) فإن هذا المقام طال فيه النزاع وحارت فيه الأفهام وزلت الأقدام وكل يدعي الصواب بزخرف الجواب، فأبينوا المدعى بالدليل وبينوا طريق الحق بالتفصيل والتطويل، ضاعف الله لكم الأجر ووقاكم الشرور. والسلام عليكم ورحمة الله.)
وأقول اعلم أن الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات قد طالت ذيوله، وتشعبت أطرافه وتناسبت فيه المذاهب وتفاوتت فيه الطرائق وتخالفت فيه النحل وسبب هذا عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم الله ودخولهم في أبواب لم يأذن الله لهم بدخولها ومحاولتهم لعلم شيء استأثر الله بعلمه حتى تفرقوا فرقا وتشعبوا شعبا، وصاروا أحزابا وكانوا في البداية ومحاولة الوصول إلى ما يتصورونه من العامة مختلفي المقاصد متبايني المطالب، فطائفة وهي أخف هذه الطوائف، المتكلفة علم ما لم يكلفها الله سبحانه بعلمه إثما وأقلها عقوبة وجرما وهي التي أرادت الوصول إلى الحق والوقوف على الصواب، لكن سلكت في طريقة متوعرة وصعدت في الكشف عنه إلى عقبة كؤود لا يرجع من سلكها سالما فضلا عن أن يظفر فيها بمطلوب صحيح ومع هذا أصلوا أصولا ظنوها حقا فدفعوا بها آيات قرآنية وأحاديث صحيحة نبوية، واعتلوا في ذلك الدفع بشبه واهية وخيالات مختلفة وهؤلاء طائفتان: الطائفة الأولى وهي الطائفة التي غلت في التنزيه فوصلت إلى حد يقشعر عنده الجلد ويضطرب له القلب من تعطيل الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ثبوتا أوضح من شمس النهار وأظهر من فلق الصباح وظنوا هذا من صنيعهم موافقا للحق مطابقا لما يريده الله سبحانه فظلوا الطريق المستقيم وأضلوا من رام سلوكها، والطائفة الأخرى هي غلت في إثبات القدرة غلوا بلغ إلى حد أنه لا تأثير لغيرها ولا اعتبار بما سواها، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض والقسر الخالص، فلم يبق لبعث الرسل وإنزال الكتب كثير فائدة ولا يعود ذلك على عباده بعائد، وجاءوا بتأويلات الآيات البينات ومحاولات لحجج الله الواضحات فكانوا كالطائفة الأولى في الضلال والإضلال، مع أن كلا المقصدين صحيح، ووجه كل منهما صبيح لولا ما شانه من الغلو القبيح.