فهرس الكتاب

الصفحة 25749 من 27345

واختلافات النصارى

الحلقة (20) الجمعة 19 ربيع الأول 1396هـ-19 آذار 1976تابع

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

بسم الله الرحمن الرحيم

كما أقدر أرجو أن يكون هذا اليوم آخر ما نتحدث عن هجرة الحبشة وتوابعها وقد يكون من المستحسن أو من المفيد أكثر أن نفيض في الحديث أكثر مما أفضنا ولكن تقديري الخاص أن الذي قدمناه حتى الآن يكفي إن شاء الله تعالى، لا ليلقي الأضواء الكافية على كل القضايا التي تتصل بهذه الواقعة التاريخية فذلك غير ميسور، ولكن ليعطي صورة مقاربة للمنهج الذي نأخذ أنفسنا به حينما تتجشم دراسة أي أمر من الأمور التي نهتم لها.

كنا تحدثنا في الأسبوع الماضي حول استحالة التطلع نحو الحبشة لكي تكون مركز انطلاق الدعوة الإسلامية في ضوء غير الضوء الذي تحدثنا عن القضية من خلاله قبل أسبوعين.. في الجمعة الماضية؛ نظرنا إلى المسألة في ضوء القوانين العامة للنبوات ورأينا بحمد الله تعالى أن القوانين العامة للنبوات لا تأذن باتخاذ الحبشة -وما في حكمها- مقرًا ومنطلقًا للدعوة، نظرًا لافتقاد العنصر الأساسي وهو ووحدة اللغة وحدة اللسان الذي يستتبع بالضرورة استحالة التفاهم واستحالة البيان؛ وهما الشرط الأساسي لنجاح النبوات فمن حيث أن الحبشة تتكلم لسانًا غير لسان العرب، ومن حيث أن النبي المرسل بهذه الرسالة عربي اللسان ومن حيث أن الأسس الأساسية العامة والخاصة للدعوة والمتمثلة بالقرآن الكريم وبسنن النبي صلوات الله عليه وآله وهي الوعاء الذي يوصل هذه الرسالة هو وعاء عربي من حيث هذه الأمور جميعًا كان لا بد أن يكون البحث منصبًا والجهد موجهًا إلى ترسيخ الرسالة في بلاد العرب لأنها عربية اللسان توجه إلى العرب قبل أي قوم من الأقوام واستشهدنا على ذلك بما كفى إن شاء الله تعالى ووعدنا أننا في الجمعة القادمة -أي هذه الجمعة- سننظر في المسألة على ضوء آخر فالحقيقة أن الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله خاتمة الرسالات الإلهية إلى الناس؛ ما بعد محمد من رسول يرتجى وليس بعد محمد من مخلوق يتوكف خبر السماء، ولا بعد القرآن كتاب يحمل أوامر جديدة من قبل الله تعالى إلى الناس، ولكن هذه الرسالة جاءت تتويجًا لنبوات سابقة فمنذ أن فتح الإنسان عينيه على الدنيا رافقته هداية الله تعالى، إظهارًا للمنة وتأكيدًا للرحمة السابغة التي اختص الله بها عباده (وإنْ من أمة إلا خلا فيها نذير) (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) ولولا أن الرسالات التي سبقت رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان ينقصها من أجل أن تكون قادرة على الخلود والاستمرار -شيء ما- لسقط مبرر الرسالة الإسلامية من الأساس، فطالما أن الرسالة على أي نبي من الأنبياء كانت تنزل قادرة على هداية الناس وقيادة الناس وملء الفراغ الذي يحصل في نفوس الناس ومجتمعات الناس فلا مبرر على الإطلاق لإرسال رسول ولا لإنزال كتاب؛ ولكن الأمر على خلاف ذلك فنحن نجد الله تبارك وتعالى اقتص علينا في القرآن الكريم قصص أنبياء ومرسلين سبقوا نبينا محمدًا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأن الله طوى في علمه ذكر أنبياء آخرين فقال:

)منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص(.

فالأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم ليسوا هم كل مظاهر الرحمة الإلهية التي تجلت في موالاة الهداية إلى الناس ونجد أن الله تبارك وتعالى يذكر في حكمة القصص القرآني قصص الأنبياء والمرسلين، وقصص الأمم التي بادت يذكر فيقول: )لقد كان قصصهم عبرة لأولي الألباب( ويذكر فيقول:

)وكلًا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمتقين(.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت